حسين طليس
من إيران، إنطلقت قاذفات روسيا الإستراتيجية "تو-22 إم 3"، لتقصف مواقع التنظيمات الإرهابية في سوريا. لا جديد في القصف الروسي المستمر منذ 30 أيلول 2015، حين دخلت روسيا الحرب السورية، إنما "الجديد" يكمن في المكان الذي انطلق منه هذا القصف، ونوعية القاذفات التي استخدمت، وما بينهما من أبعاد ودلائل، جعلت من شظايا القصف يطال مشاريع وعواصم إقليمية ودولية.
لا إمكانية لتبسيط الأحداث او الأخذ بظاهرها دون باطنها في هذه المرحلة التي تمر بها المنطقة. وعليه فإن فتح إيران لمطاراتها وقواعدها العسكرية أمام روسيا وموافقتها على تواجد قوة أجنبية على أراضيها، للمرة الأولى منذ 37 عامًا على انطلاق الثورة الإسلامية، تحمل دلالات ورسائل كبرى، محمولة على أجنحة أثقل الأسلحة الروسية التي وصلت إلى المنطقة وبدأ استعمالها.
يؤكد المحلل العسكري وخريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية، عمر معربوني، في حديث مع موقع "الجديد"، أن السماح الإيراني لروسيا باستخدام قواعدها الجوية، يمنح تفوقاً عسكرياً بالغ الأهمية لروسيا، حيث يقصّر الطريق على المقاتلات بنسبة 60%، فبينما كانت تستغرق رحلة المقاتلات ساعتين للوصول من قواعدها في جمهورية أوسيتيا الشمالية (جنوب روسيا) إلى الأجواء السورية، باتت الآن تحتاج لـ30 دقيقة فقط من مطار همدان في إيران. وعلى الرغم من أن هذه الطائرات قادرة على تنفيذ عمليات تبعد 7000 كلم عن قواعدها، إلا أن قصر المسافة ومدة التحليق يعني استهلاكاً أقل للوقود وبالتالي توفيراً سينعكس تكثيفاً للطلعات الجوية وقدرة على تحميل القاذفات بقنابل وأسلحة أكثر.
أما سياسياً فقد كان لكل من إيران وروسيا رسائلهما الخاصة والمشتركة، التي انهت زمن التكهن بشكل العلاقة التي تجمع البلدين، عبر إظهار الطابع الإستراتيجي لتعاونهما، في تطور يغلق الباب على كل التأويلات والقراءات التي سبق أن تحدثت عن تباين وخلافات بينهما في الأهداف والأولويات على الساحة السورية.
وأكثر، فقد كان هذا التقارب بمثابة سلاح بحد ذاته، ابلغت من خلاله روسيا الولايات المتحدة رسالتها، بأنه في حال عدم الاقتراب أكثر من مقاربتها للساحة السورية، فهي لديها بديل استراتيجي وسياسي وعملاني يتمثّل بالمزيد من التقارب مع إيران. كذلك إيران التي توجهت بخطوتها إلى خصمها الرئيسي في المنطقة، السعودية، بأنها ما عادت المقرر والناظم لجدول الأعمال والتطورات في المنطقة، مثبتة قدرتها على رفع سقف التحدي إلى أعلى الحدود.
ويبقى العنوان الأعرض الذي يفيد بأن نظاماً جديداً بدأ يهيمن في الشرق الأوسط، لروسيا فيه اذرعها إستراتيجية باتت تطوق المنطقة، وتكاد تساوي أو تتجاوز الحضور العسكري الأمريكي فيها، لا سيما وأنها المرة الأولى منذ ستينيات القرن الماضي، التي تحظى فيها روسيا بموطئ قدم عسكري غير سوريا في المنطقة وإشراف على الخليج العربي من إيران حيث القواعد الأمريكية.
كل ما سبق يضاف إلى الحضور البحري الإستراتيجي، إن كان في بحر قزوين او في البحر الأبيض المتوسط، حيث تجري موسكو مناورات حيّة على إطلاق صواريخ "كاليبر" المجنحة الإستراتيجية، والرماية في ظروف قريبة من الظروف القتالية الحقيقية، وسط سعي لتعاون عسكري مع تركيا قد يتيح لروسيا الإطباق الكامل على المنطقة. وبالتالي فإن المنطقة باتت أمام "وحش عسكري" روسي من الوزن الثقيل، سيسعى لتقاسم فرائس المنطقة مع نظيره الأمريكي، وقد لا يكتفي.