سنا السبلاني
بين ليلة وضحاها اشتعلت منطقة جرابلس على الحدود السورية - التركية، حيث دخلت قوات التحالف والجيش السوري الحر وتركيا -للمرة الأولى- الى داخل الأراضي السورية بنيرانها ومدفعيتها، معلنة حرباً شرسة لطرد عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي والقضاء على حلم الدولة الكردية. فما هي الأهمية التي تتمتع بها المنطقة والتي جعلت الكل يتسابق الى السيطرة عليها؟ وكيف انتهت معركة بهذه الخطورة في أقل من 36 ساعة رغم التوقعات المخالفة لذلك؟
جرابلس، التي تقع في محافظة حلب على الشريط الحدودي وعلى الضفة الغربية لنهر الفرات، لها أهمية كبيرة بالنسبة لتركيا والأكراد والمعارضة السورية. فالمعارضة السورية تريد إبعاد "داعش" وفتح معبر جرابلس الحدودي وإبعاد وحدات حماية الشعب الكردية وإفشال الإدارة الذاتية التي أعلنتها في وقت سابق من جهة، فيما تريد تركيا قطع الطريق على استكمال الأكراد سيطرتهم على الشريط الحدودي ومنعهم من إقامة أي كيان خاص بهم من جهة ثانية. أمّا وحدات حماية الشعب الكردي، فعينها على مدينة جرابلس لتتمكن من ربط مناطق نفوذها على الشريط الحدودي لاستكمال حلم الدولة الكردية.
يقول الخبير العسكري عمر معربوني لـ"الجديد" إن المعركة مع قوات "داعش" في جرابلس لم تكن سهلة أبداً لأن غالبية ساحقة من المقاتلين الأجانب كانت تتواجد في المنطقة، وبالتالي فقد كان من المتوقع أن تشهد معارك شرسة وحادّة يكمن أن تطول قبل أن تُحسم بهذه السرعة. ويشير الى أن منطقة جرابلس الإدارية، إضافة الى مدينة جرابلس، تضم حوالي 60 قرية ويصل عديد السكان فيها الى 75 ألف بالاضافة الى الـ25 ألف الموجودين في جرابلس حالياً. وبين جرابلس ومنبج وصولاُ الى أعزاز هناك مساحة شاسعة مليئة بعناصر داعش.
ويوضح أن الخيارات التي كانت متوفرة أمام "داعش" هي الإنسحاب باتجاه منطقة الباب في جنوب غرب جرابلس، لكن قوات الجماعات المسلّحة المدعومة من تركيا كان أمامها مرحلة طويلة من القتال للسيطرة على مناطق عازلة بين منبج شرقاً وأعزاز غرباً، وهي مناطق معقدة لناحية الجغرافيا. وبالتالي فإن الخيار الأفضل الذي كان متاحاً هو الهجوم من منبج باتجاه جرابلس بين منطقة منخفضة أشبه بالسهل.
ويؤكد معربوني إن جرابلس هي أقوى رابطة أساسية لا يمكن -إلاّ بالسيطرة عليها- استكمال عملية السيطرة باتجاه أعزاز ووصل مناطق السيطرة الكردية الحالية بعفرين، ثالث المقاطعات الكردية في سوريا.
ميدانياً، يشير معربوني الى أن كفة الميزان كانت لصالح قوات الحماية الكردية كونها الأقرب لمنطقة جرابلس، إضافة الى قدرتها العسكرية، إلاّ في حال استخدمت تركيا كثافة نارية بواسطة المدفعية لدعم الجماعات المسلّحة التي تتجهز لدخول جرابلس من الحدود التركية (أي الجيش الحر).
ويلفت معربوني النظر الى أن القوات الكردية تهدف الى الإستيلاء على هذه المناطق لتأمين كامل الكنتون الكردي المزمع إنشاؤه، وهذا ما يتعارض مع المصالح التركية لأن الأتراك هم أكبر المتضررين من هذا الأمر، وذلك كانوا الأكثر حماسة لمنع تشكل هذا الكنتون على الصعيد الجغرافي، وكانوا حادّين وجادّين جدًّا في منع القوات الكردية من وصل هذه المناطق الجغرافية ببعضها.
وبحسب معربوني، فإن إنشاء الدولة الكردية من الأساس بعيداً عن الواقع لعد أسباب سياسية وسكانية وجغرافية. فعلى المستوى التاريخي، هناك الكثير من الموانع لقيام الكيان الكردي، فوجود الأكراد في سوريا لا يتجاوز المئة عام. هذا بالإضافة الى أن الأكراد لا يشكلون أكثر من 25% من تعداد السكان في المنطقة الممتدة من الحسكة وصولاً الى عفرين. أمّا من الجانب الجغرافي، فهناك فواصل جغرافية بين كنتونات التواصل الكردية، وهي القامشلي وعين عرب وكوباني وعفرين، لا يمكن للأكراد تثبيت وجودهم إلاّ من خلال إقصاء العرب والسريان المتواجدين فيها.
إلا ان سرعة سقوط جرابلس في يد الحلف العسكري الذي قادته تركيا في المدينة الصعبة المنال وفق المعطيات التي كانت قائمة، وعدم رصد مقاومة جدّية من قبل داعش أثار العديد من التساؤلات والتحليلات، التي تمحورت جميعها حول سيناريو "التحالف ضد الأكراد"، والتقاء المصالح بين كافة الجهات المتصارعة من أجل منع الأكراد من وصل مناطق سيطرتهم، وهو ما وصل إلى حد الإعتقاد بأن هذه المصالح هي ما أثمرت "تسليماً وتسلماً" بين داعش وتركيا؟!