كشفت مراسلات داخلية جرت في الفترة من 17 كانون الأول 2015 و4 كانون الثاني 2016، بين مدير الوصاية التابع للمديرية العامّة للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه، محمود بارود، ورئيسه المدير العام للاستثمار غسان بيضون، عن هدر بقيمة تفوق 145 مليون دولار في مشروع "دير عمار 2" بسبب جملة مخالفات.
وقد حصلت صحيفة "الاخبار" على تلك المراسلات التي بينت اتهام بارود لبيضون بصورة صريحة بأنه "أحد أهم أبطال" هدر المال العام والفساد، وأنه مسؤول عن هدر مبالغ تفوق 145 مليون دولار، بالإضافة إلى الفوائد وغرامات تأخير، في مشروع إنشاء محطة توليد الطاقة الكهربائية في الشمال (دير عمار 2)، الذي "لم يضع المتعهد فيه حجر باطون واحداً"، واصفاً المشروع بأنه "كمحطة قطار مسرحية الرحابنة وفيروز، إنما بكلفة عالية جداً على لبنان واقتصاده الوطني وأمواله العمومية".
وتشير المراسلات الى ان بيضون قابل تلك الاتهامات بتوجيه "تنبيه" إلى بارود، محذراً إياه من ملاحقته بجرم الافتراء ومعتبراً "أن أسلوب المخاطبة المعتمد في كتابك (بارود) يخالف واجب الخضوع والطاعة المفروض من المرؤوس تجاه رئيسه".
وبحسب الصحيفة فان بارود يرتكز في اتهاماته على أن بيضون ومعاونيه "افتعلوا" إشكالية الضريبة على القيمة المضافة التي أدّت إلى تجميد المشروع، الذي كان من المفترض أن يؤمن 700 ميغاوات إضافية من إنتاج الكهرباء، وانسحاب الشركة الملتزمة "J&P AVAX" ومطالبتها الدولة بمبالغ تصل إلى 145 مليون دولار، من دون أن يتسنى لها القيام بأي عمل مادي، وهذا المبلغ يفوق بثلاثة أضعاف تقريباً قيمة الضريبة على القيمة المضافة المتنازع عليها.
وتابعت الصحيفة ان إشكالية تحديد الجهة (الدولة أم الشركة؟) المسؤولة عن تسديد الضريبة على القيمة المضافة، والتي أدّت إلى تجميد المشروع عام 2013 قبل بدء العمل به، نتجت من خلاف بين وزارتي المال والطاقة والمياه، إذ اعتبرت الأولى أن الضريبة مستحقة على الشركة من ضمن كلفة العقد الموقع معها بقيمة 495 مليون دولار. في حين أن وزارة الطاقة والمياه (تبنت موقف الشركة) تؤكد أن العرض المقدم من الشركة لا يشمل كلفة هذه الضريبة.
ولفتت الصحيفة الى ام ديوان المحاسبة قدّم رأيين متناقضين، موضحة انه عندما وافق الديوان على الصفقة أشار، حسب وزارة الطاقة، إلى أن "من الطبيعي عدم احتساب ضريبة القيمة المضافة ريثما يتقرّر مصدر التمويل نهائياً (باعتبار أن التمويل الخارجي مُعفىً من الضريبة، في حين ان الصفقة تقرر لاحقاً أن تموّل من الخزينة العامة وهي غير مُعفاة)"، لكن عندما أحيل الملف للمرة الثانية على الديوان عقب الخلاف الحاصل، أعلن أنّ "السعر يتضمن كافة الأعباء، بما فيها ضريبة القيمة المضافة".
وسط هذه الفوضى، أُوقف المشروع قسراً، تابعت الصحيفة، إذ رفضت وزارة المال أن تفتح الاعتمادات المخصصة للمشروع قبل حسم الإشكالية، فيما كانت الشركة تقدّم فواتير من دون أن تقبض، ما دفعها لاحقاً إلى توجيه إنذارات إلى الدولة ومطالبتها بدفع غرامات بقيمة 145 مليون دولار، أي نحو 30% من كلفة المشروع الإجمالية، جراء التأخير الحاصل وتعويضاً عن الخسائر التي منيت بها بسبب شراء توربينات للمشروع وإبقائها في مرفأ بيروت، ومن ثم إرجاعها إلى الشركة المصنّعة، مهددةً باللجوء إلى التحكيم الدولي.
كما لا يقتصر الهدر في "دير عمار 2" على إشكالية القيمة المضافة، إنما يتهم بارود رئيسه بالتعاقد مع شركةAF consult للإشراف على تنفيذ الأشغال الكهربائية في المشروع من دون أن يكون هناك "عمل" تشرف عليه، ما رتّب أعباءً على الدولة بقيمة 3 ملايين و500 ألف فرنك سويسري لشركة لم تقم بأي عمل! يضيف بارود أن بيضون يحاول تسوية هذا الأمر عبر دفع لجنة الاستلام إلى أن تصرّح بأنها تسلمت من الشركة الاستشارية الخدمات المطلوبة منها، علماً بأنها لم تنجز أي عمل، وذلك لكي يتمكن بيضون من إجراء عقد مصالحة.
واشارت الصحيفة الى انه وسط تقاذف الاتهامات المفصّلة بالفساد، لم يتحرك أحد من الجهات القضائية لحسم الجدل الحاصل قانوناً والتحقيق في الاتهامات المسوقة، على الرغم من إرسال بارود نسخة عن كتابه إلى هيئة التفتيش المركزي وديوان المحاسبة، بالإضافة إلى وزير الطاقة والمياه أرتيور نظريان. لكن اللافت في كتاب بارود الذي يردّ فيه على بيضون، إشارته إلى كتاب مغفل التوقيع وجّه إلى كل من التفتيش المالي والنيابة العامة المالية بشأن الكافيتيريا، وزجّ اسم بارود في الموضوع، ما يوحي أن أحد الدوافع (ربما) يرتبط باتهامات متبادلة بين المديرين.