في عالم الصيد ثمّة من يوفَّق بفريسة سهلة في مدّة زمنية قصيرة نسبياً، 20 دقيقة أو أقلّ، وفي عالم الصيد أيضاً مفهوم الصيد المثابر، لمن ينتظر ساعات وساعات للتمكن من الطريدة المثالية.
عام 2015 وفي لحظة سياسية، بادر
فرنجية وانقضّ على الكرسي طارحاً نفسه كمَخْرج لأزمة دامت سنوات، فانزلقت من تحته الكرسي مثلما تنزلق فريسة من لحظة موت محتّم لصياد تسرّع في الضغط على الزناد.
يُحسب لفرنجية آنذاك أنه ربما ولأول مرة في تاريخه السياسي الذي يتّسم بالحذر الدائم، اختار المبادرة لتحصيل ما يعتبره حقّاً له كماروني وإعادة لقب الفخامة إلى العائلة والاسم.
خرج من دائرة الحرص الزائد الدائم على أن يكون على علاقة جيدة مع الجميع، وبادر من دون أن ينتظر ما يُعدّه ردّ دين لموقف ثابت من حلفائه "يبقى معهم في لحظة الضعف وفي لحظة القوة".
يمارس فرنجية السياسة بكثير من الرومانسية المجرّدة من تعقيدات لا مفرّ منها، يرى ذلك وضوحاً يعكس صدقاً غير متوافر في كثيرين من أبناء جلدته، وأن ذلك كافٍ ليكون خياراً للمرحلة الرئاسية المقبلة.
كل الأجواء في بنعشي تعكس تفاؤلاً بحلّ وتسوية آتية لا محالة نتيجة التقارب الإيراني السعودي، من دون أن تجزم بأن "سليمانها" سيكون أحد أركان التقارب، ولو كان يتمنّى ذلك، فهو يراهن على عامل الوقت لحلحة
العقد المحيطة به، ولتبريد الرؤوس "الحامية" غير المقتنعة بأن المشهد الاقليمي المتبّدل سيعيد عقارب الزمن إلى الوراء ليضع الجميع أمام خيارات سبق وأن أخطأ البعض في حسابها.
ومن هذه الأخطاء أن الجنرال ميشال عون والدكتور
سمير جعجع رفضا في الطائف ما عُرض في التسوية، فيما وافق عليها فرنجية للقتال من الداخل، "هل كانوا يدعمون معاركنا للحفاظ على ما تبقّى من حقوق المسيحيين؟ أخطأوا في الحساب آنذاك واليوم أخشى أن يخطئوا في الحساب مجدّداً، وستكون الكلفة أكبر على المسيحيين هذه المرة".
لكن ما هو شكل التسوية ومعالمها، وهل هي مجرّد شراء وقت لبلد يسبّب الكثير من وجع الرأس؟ أم تسوية متكاملة تسمح للبلد الصغير بلعب دور في المرحلة لمنطقة
جديدة تتشكّل؟
الصورة غير واضحة لدى سليمان الثاني حتى الآن، وإذا ما سُئل يوماً هل يقبل بأن يكون رجل تسوية مهما كان شكلها حتى لو كانت لإدارة البؤس؟ فإن فرنجية يقرأ في النيّات الرئاسية "الرئيس أهمّ من شكل التسوية وظروفها".
يتملّكه شعور بأنه قادر على لعب الدور الذي يحتاج إليه البلد، فهو على تقويم المردة ليس مرشح مواجهة، وإن كان بموقف سياسي ثابت غير متبدّل، قادر على التواصل مع الجميع ولا مشكلة لديه مع أحد، "هني عندن مشكلة معي، أنا ما عندي مشكلة مع حدا".
وتتسلّل إلى مسامعك عبارة "الفيتو" في كل اتجاه في بنشعي ويتمّ تحليلها بالتدرّج، حيث لا فيتو سعودي أميركي على وصوله "ما في رفض وما في دعم". فالسعودية ستتعامل مع الرئيس والمرحلة بناءً على ما سينتج عنها، فيما الأميركيون غير معنيين بالشخص، والداعم الوحيد في المعادلة الدولية هم الفرنسيون.
وعند الدخول في حِسبة الأصوات تلتمس أن مجموعة العمل الزغرتاوية هي دائمة العدّ لبلوغ الحاصل، ليبقى أمام فرنجية عائق تأمين النصاب, وهي عقبة يمكن تجاوزها في حالة التسوية، لكنها أكثر تعقيداً لمنافس غير معلن مثله أو كقائد الجيش الذي يحتاج إلى 86 صوتاً للنصاب.
والسؤال الأبرز عدّاً ونقداً: كيف يضمن فرنجية الـ65 صوتاً؟
هنا في بنشعي لا يتمّ حرق أسماء أو أرقام، ويكتفي المعني بالجواب أنه "في أوادم بالتيار"، ذلك أن هناك نواباً قد يتعرّضون للتعنيف السياسي داخل كتلهم إذا ما أفصحوا عن نيّتهم التصويت لرئيس تيار المردة، وبين المنافس غير المعلن والخصم-الحليف الذي لا يبدو فرنجية في حرج عندما يرفع سقف المواجهة مع جبران
باسيل إلى حدّ تأييد ألدّ خصومه في ما لو اضطر الأمر، وثمّة مَن يتوقع أن فرنجية سيختار جوزاف عون على باسيل الذي نكّل بالمردة ودفعها مع رئيسها إلى إجراء المفاضلة بين سيئ وأسوأ.
ولا تنفكّ العقبات تسيّج ابن الثمانية والخمسين عاماً الذي يتطلّع إلى
بعبدا لكأنها المرة
الأخيرة التي يواعدها بالترشّح، ومن هذا الطموح النهائي لا ضير لفرنجية في الوصول من دون دعم أكبر كتلتين مسيحيتين "ليش بدي رضاهن وأنا مقدّم 300 شهيد من عيلتي ومن منطقتي".
الرهان على تسوية تأتي به رئيساً، ليس سقفاً بالنسبة إلى الرجل الذي يعتبر أن اللحظة التاريخية ليجلس على الكرسي قد حانت، وانزلاقها مرة جديدة تعني ضياعها إلى الأبد.
فرنجية الذي لا يعادي أحداً، حتى لو كانت الدماء بينهما، لا يمانع أن يصل إلى بعبدا في لحظة مواجهة "لكن بعد الوصول سأكون منفتحاً على الجميع".
يثق فرنجية بالتزام الحزب به خياراً وحيداً حتى اللحظة، أما عن الاسماء التي أُضيفت إلى التداول كجهاد
أزعور، فهذا الشخص وبعيداً عن الاحترام له، لا يمثل سوى امتداد لباسيل "فعندما طُرح الاسم كمرشح لحاكمية
مصرف لبنان أكد باسيل لحزب الله أن أزعور عندي".
والمقاربة الاقتصادية للمرحلة المقبلة ستجدها في بنشعي تحت معادلة "بهالبلد، الغني بدّو يشيل الفقير، مش الفقير بدّو يشيل الغني"، فحل ّمشكلة كبار المودعين سيكون بسيطاً، ردم مساحات في البحر وعرضها كاستثمارات على مَن يمتلك أموالاً عالقة في البنوك.
ترى من خلف بحيرة بنشعي "سوليدارات متنقلة وموزعة في المناطق كافة"، أما صندوق النقد فهو ضرورة لكن بشروط لبنانية وليس العكس.
في منزله الزغرتاوي على بعد 63 كيلومتراً عن بعبدا، تبدو المسافة الطويلة لفرنجية أقرب من أي وقت مضى، والمسافة الطويلة ستكون شبه مستحيلة في حال عدم تجاوزها هذه المرة.
عام 2015 ضغط فرنجية على الزناد فأفلتت منه الكرسي، اليوم يثابر الصياد على انتظار الظروف لكي تأتي الفريسة إليه، لكن الرغبة في اصطيادها بأي ثمن، بتسوية أو مواجهة ظناً منه أنها الصيد الاخير، قد تضع الرجل مجدداً على كرسي يراقب فيها ثعالب وأسوداً وغزلاناً كثيرة معلّقة على الجدران، بدلاً من كرسي يشرف فيها على جمهورية معلّقة على خريطة متبدلة دوماً.