نجتمع
اليوم ونحن ننطلق من قناعات سياسية مختلفة، لكننا نتحمل مسؤولية مشتركة: تأمين تعافي
لبنان واستعادة ثقة شعبه. وإن حضور زملاء من مختلف الأطياف السياسية يعكس الالتزام الوطني الذي تتطلبه هذه المرحلة.
السيد إرنستو، وأعضاء وفد صندوق النقد الدولي، نشكركم على انخراطكم وتعاونكم. ونحن نقدر شراكة تقوم على الصراحة والاحترام المتبادل والإصلاحات الموثوقة والقابلة للتنفيذ. إن لشركائنا الدوليين دوراً مهماً، لكن مسؤولية تعافي لبنان تقع في نهاية المطاف على عاتقنا نحن. وأود أن أغتنم هذه المناسبة للترحيب بالسيد يحيى سعيد، المدير القطري الجديد لبرنامج صندوق النقد الدولي في لبنان.
لقد شكّل إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف إنجازاً مهماً وضرورياً. فقد وضع إطاراً لتقييم أوضاع المصارف، ومعالجة المؤسسات المتعثرة، وتعزيز الرقابة، والبدء بإعادة تأهيل القطاع المصرفي.
لكن لا يمكن تنفيذ هذا القانون بصورة فعالة بمعزل عن الإصلاحات الأخرى. والخطوة الضرورية التالية هي إقرار قانون عادل وموثوق لتحديد ومعالجة الفجوة المالية.
يجب أن يحدد هذا القانون، بصورة شفافة، الحجم الحقيقي للخسائر المالية، وأن يحدد كيفية توزيع المسؤوليات بين الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية ومساهميها، وسائر الجهات المسؤولة. كما يجب أن يتضمن آلية واقعية وجدولاً زمنياً واضحاً لاستعادة الودائع.
ويجب أن يكون تسلسل تحمّل المسؤولية عادلاً. فلا يجوز تحميل المودعين الخسائر بصورة عشوائية أو غير منصفة. ويجب أن يتحمل مساهمو المصارف والمؤسسات والجهات المسؤولة حصتهم العادلة، وأن تتم حماية صغار المودعين بشكل كامل، مع بذل كل جهد ممكن للحفاظ على الحقوق المشروعة لجميع المودعين.
لقد أحالت الحكومة بالفعل مشروع قانون الفجوة المالية إلى لجنة المال والموازنة النيابية، ونحن نعتبر ذلك خطوة مهمة. إلا أن مشروع القانون بصيغته الحالية يحتاج إلى تعديلات جوهرية قبل أن يصبح إطاراً سليماً من الناحية الاقتصادية، وموثوقاً من الناحية التقنية، وقابلاً للتطبيق، ومتوافقاً مع المعايير الدولية.
ونرى أن المسار الأكثر وضوحاً وفعالية يتمثل في أن تسحب الحكومة مشروع القانون الحالي، وتعالج الثغرات الأساسية فيه، ثم تقدم نصاً معدلاً يكون قادراً على حصد ثقة
مجلس النواب والمصداقية الدولية.
أما إذا قررت الحكومة الإبقاء على المشروع الحالي، فإننا نرحب كثيراً بأن يزوّد صندوق النقد الدولي مجلس النواب بإرشادات تقنية واضحة ومفصلة حول المواد التي تحتاج إلى تعديل. ومن شأن ذلك أن يساعد النواب على العمل بصورة أكثر كفاءة، وتسريع الوصول إلى قانون عادل وقابل للتنفيذ ومتوافق مع المعايير الدولية.
وبالطبع، سيقوم مجلس النواب بمسؤوليته التشريعية الكاملة. لكن وجود معايير تقنية واضحة وتعاون وثيق مع صندوق النقد الدولي سيساعداننا على تجنب المزيد من التأخير، وضمان أن يعالج القانون النهائي الأزمة فعلياً، بدلاً من تأجيلها وترحيلها.
إن قانون الفجوة المالية ليس مجرد عملية محاسبية. فمن دون قانون موثوق، لا يمكن استكمال إعادة هيكلة المصارف، ولا يمكن استعادة الثقة، ولا يستطيع القطاع المالي أن يستعيد دوره الأساسي في خدمة المواطنين وتمويل الاقتصاد.
وعلينا أيضاً أن نواجه التوسع الخطير في الاقتصاد النقدي، الذي يضعف تحصيل الضرائب، ويحدّ من الشفافية، ويسهّل عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، ويعرّض لبنان لخطر العزلة عن النظام المالي الدولي.
لكن لا يمكن مواجهة الاقتصاد النقدي من خلال القيود أو التصريحات وحدها. فالمواطنون والشركات لن يعودوا إلى القنوات المالية الرسمية إلا عندما تتوافر لهم منظومة مصرفية سليمة وموثوقة وقادرة على تلبية احتياجاتهم.
لذلك، يتعين على مجلس النواب أن يدقق في مشروع القانون بصورة شاملة، وأن يُدخل عليه التعديلات الجوهرية التي يحتاج إليها، وأن يطرح نصاً موثوقاً للتصويت من دون تأخير غير مبرر. فالاستعجال يجب ألا يأتي على حساب العدالة أو
سلامة التقدير الاقتصادي، لكن استمرار
حالة عدم اليقين لا يؤدي إلا إلى تعميق المعاناة وزيادة الخسائر.
ويجب أن تترافق هذه الإصلاحات مع تعزيز الرقابة المصرفية، واستعادة مصداقية
مصرف لبنان، وتحسين المالية العامة، وضمان شفافية الإنفاق، واستقلالية
القضاء، وتطبيق مبدأ المساءلة بصورة متساوية على الجميع أمام القانون.
الزملاء الأعزاء،
إن مسؤوليتنا واضحة: إقرار تشريعات موثوقة، وحماية المودعين، واستعادة نظام مصرفي فعّال.