رزان شرف الدين
ستة وأربعون عاماً على رحيل زعيم عربي خلّده التاريخ مناضلاً ومناصراً للوحدة العربية.. زعيماً مسانداً للحركات الثورية العربية ومناهضاً لكل أشكال الاحتلال والانتداب..
في مثل هذا اليوم، نزل نحو سبعة ملايين شخص إلى الشارع المصري لتشييع رجل قاد بطولات في وجه الاحتلال، وكان رمزاً من رموز الكرامة ومناهضا شرسا للإمبريالية. في 28 أيلول 1970، شيّع الشعب المصري والعربي ثاني رؤساء الجمهورية العربية المصرية بعد الملك فاروق، الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
عبد الناصر الذي ساند العمل الثوري داخل مصر ووقف إلى جانب كل حركات التحرر من الاستعمار، ووقف في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر الذي نفذته اسرائيل وفرنسا وبريطانيا على خلفية قراره تأميم قناة السويس وتخليصها من الاستغلال الاجنبي، شاء القدر أن يزجّ التاريخ في ذكرى وفاته، وفاة من قاد العدوان الثلاثي في وجهه، سفاح تجرّد من كل معاني الإنسانية، شيمون بيريز.
عُرف عبد الناصر بحرصه على حرية الإنسان العربي والتخلّص من الطغيان، وإن اختلف معه البعض، إلاّ أنه لا يمكن تجاهل تاريخ هذا "القائد الكاريزمي" وشجاعته وذكاؤه، كما لا يمكن لأحد أن ينسى التاريخ الأسود للسفاح الإسرائيلي و"مؤسس الاستيطان"، سفاح "قانا" في جنوب لبنان في العام 1996 والتي راح ضحيتها أكثر من مئة مدني خلال رئاسته للحكومة.
وبيريز هو الشخصية الأخيرة من جيل مؤسسي الكيان الاسرائيلي الغاصب، انخرط في جمع السلاح للدولة الوليدة إبان إعلانها في العام 1948، والتي استخدمها لاحقاً في مجازره ضد العرب والفلسطينيين.
تولّى بيريز رئاسة حكومة الاحتلال مرتين بين عامي 1984 و1986، وشارك فى نكبة فلسطين وشن العدوان على لبنان، وقاد "العدوان الثلاثي" ضد مصر. كما انه من أبرز المخططين لبناء مفاعل ديمونة النووي بالتعاون مع الحكومة الفرنسية في العام 1958، ومن أهم رعاة الاستيطان بفلسطين.
أما عبد الناصر، فلم يشهد التاريخ المصري الحديث والعربي شخصية نالت حب الجماهير مثل شخصيته، فقد استطاع استنهاض الشعب المصري من خلال الثورة، وحتى في هزيمة 1967 (النكسة) أمام إسرائيل لم يتوانَ عن تحمل مسؤولية الحرب، واستقال على اثرها إلاّ أنه عاد وتراجع عن الاستقالة بعد التظاهرات الحاشدة المطالبة بعودته.
وبالفعل فقد رفض حينها عبد الناصر المساومات الاسرائيلية بعزل مصر والنأي بنفسها عن الحروب في المنطقة العربية، واعتبرها بمثابة تخل عن العروبة والقومية، وأكدّ حينها قائلاً "لا صلح .. لا اعتراف.. لا تفاوض" (مع اسرئيل)، وأعاد بناء الجيش المصري وخاض حرب الاستنزاف أو حرب الألف يوم في العام 1970 لاستعادة الأراضي التي فُقدت في النكسة.
انتصار لم يشأ له القدر أن يكمله، ففي العام نفسه وعقب اجتماع مؤتمر القمة العربي في 28 أيلول 1970 هبط الموت على مصر برحيل ناصر بعد 18 عاماً قضاها في السلطة، اتسمت بالإخلاص والبسالة.
اليوم نعى عدد من قادة العالم "بطل" مجزرة قانا والحائز على جائزة نوبل للسلام شيمون بيريز(1994)، وأشاد العديد بالتزامه من أجل السلام!!، فالرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند وصفه بأحد "أشد المدافعين عن السلام"، فيما اعتبره الرئيس الأميركي باراك أوباما من الأشخاص الذين "غيروا مجرى البشرية". أما في الداخل، فأشاد رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بشيمون بيريز وقال إنه "بطل في الدفاع عن إسرائيل".
وفي مثل هذا اليوم من العام 1970، انهالت كلمات الرثاء والنعي من أعداء ناصر قبل حلفائه، فقد قال مناحم بيجن، رئيس وزراء الاحتلال الأسبق أنّ "وفاة عبد الناصر تعني وفاة عدو مرّ. إنه كان أخطر عدو لإسرائيل. لهذا السبب لا نستطيع أن نشارك في الحديث الذي يملأ العالم كله عن عبد الناصر وقدرته وحكمته وزعامته"!
فكم هو سخيف هذا التاريخ أحياناً عندما ستقرأ الأجيال القادمة أن يوماً واحداً وتاريخاً واحداً جمع وفاة مناضل وقائد عربي دافع بشراسة عن هوية عربية مجرّدة من الولاءات الطائفية والمذهبية، وعن أرض لم تشأ الأقدار له أن يراها محررة، إلى جانب رجل عجّ تاريخه الأسود بالكثير من الظلامية والبربرية، واعتاد على الاحتلال فاحتل يوم وفاة "الرئيس الراحل".
ونحن، وللأسف، سنشارك في ظلم التاريخ كلّما استذكرنا هذا اليوم وجمعنا فيه رجلين أحدهما مناضل خُلدت ذكراه والآخر حاقد نبذته حروف الإنسانية وتبرأ الشيطان من أعماله.. أو ربما يكون في هذا التاريخ عبرة، يوم تخلّص العالم من آخر الآباء المؤسسين للكيان الغاصب!