عدنان الخياط
أطالب شيخ الأزهر بأن يدعو لأن تكون أول جمعة في عام 2017، جمعة التضامن مع المسيحيين في مصر والعراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين. وهذا أقل الإيمان في ظل ما يتعرض له المسيحيون من بشاعات في بلدانهم الأصلية، قبل أن تصبح بلدان المسلمين. إننا نقف على مفترق طرق خطر: طريق سيودي إلى تهجير ما تبقى من المسيحيين وإفراغ الشرق منهم ومن الأقليات غير المسلمة الأخرى؛ وطريق آخر، رغم ضيقه ووعورته، قد يؤدي لعودة المسيحيين إلى ديارهم التاريخية.
كان تعداد النسيج المسيحي في العراق قبل الغزو الأميركي في عام 2003، مليون ونصف المليون شخص، واليوم تناقص عددهم إلى 300 ألف شخص، وهو مرشح للتناقص بوتيرة أسرع بعد احتلال داعش للموصل وسهل نينوى. لقد ذاق المسيحيون الأمرّين في ظل حكومات بغداد ما بعد صدام، وذاقوا العلقم والسبي وجهاد النكاح في ظل ما يسمّى بـ”الدولة الإسلامية”. والمسيحي العراقي اليوم خائف، وخوفه مبرر، ولا شيء يلوح في الأفق قد يزيل عنه شبح الخوف هذا.
إن المكوّن المسيحي العراقي يضمّ بين طيّاته تاريخ بلاد ما بين النهرين. ولكن ذلك التاريخ يتلاشى يومًا بعد يوم في ظل صمت من الأكثرية المسلمة يرقى إلى الرضا المشين. وينطبق الوضع ذاته على اليزيدية والشبك والصابئة والبهائية والبابية والكاكائية وغيرها من المكوّنات التي تحيك النسيج البشري العراقي الفريد الذي صمد على مدار خمس آلاف سنة، وشيّد حضارات إنسانية خالدة.
وفي سوريا، كان تعداد المسيحيين قرابة المليونين قبل بدء الحرب الأهلية (أو الثورة أو سمِّها ما شئت)، ولكن اليوم عددهم تناقص إلى حوالي 500 ألف، ودُمرت كنائسهم وأديرتهم، وخُطف مطارنتهم وراهباتهم، وقُتلوا في ظل صمت إسلامي يرقى إلى الرضا المريب. وتعمّق جُرح مسيحيي سوريا بعد معركة حلب، المدينة التاريخية التي كان يسكنها وحدها قرابة النصف مليون مسيحي. وهجرّت الحرب السورية كذلك سكان حمص القديمة، ومعلولا ذات الأكثرية المسيحية، والتي لا زال يتحدث بعض أهلها يالآرامية، لغة المسيح.
وفي سوريا، كما في العراق، طال أمد التهجير والعنف ضد الأقليات الدينية من الشيعة والدروز والإسماعيليين واليزيديين وغيرهم. بينما في ظل حكم حافظ الأسد، كما في ظل حكم صدام حسين، نعِمَ المكون المسيحي بالأمان، ومثله الأقليات الدينية والإثنية الأخرى. ولكن الغزو الأميركي أطلق وحش التعصب السلفي الكامن في العراق وسوريا، والذي طال سُمّه الزُعاف العالم أجمع، وهو العامل الأساسي في تهجير مسيحيي العالم العربي.
وفي لبنان التي عصفت به حرب أهلية واجتياحات إسرائيلية منذ عام 1975، دُفع بالمكون المسيحي دفعًا للهجرة، فأُخلَّ بالتوازن الإسلامي المسيحي الذي أُسس عليه لبنان. وما تبقى من المسيحيين في لبنان مرشحين للهجرة تحت ضربات الأصولية السنيّة المتوحشة. وعلى سبيل المثال، استُهدفت القاع المسيحية بسلسلة من العمليات الانتحارية التي راح ضحيتها عدد كبير من الأبرياء في شهر يونيو/حزيران. وكنا ننتظر ونتوقع رد فعل إسلاميّ سنيّ مدوٍ، لكنه جاء خجولًا واهنًا.
والأردن ليس أحسن حالًا من لبنان، فالمكوّن المسيحي القبلي المناذري يتقلّص هو أيضًا خوفًا من أمثال وأتباع الزرقاوي. ولم يضمّد جُرح مسيحيي الأردن احتضان الملك لهم. وما يزيد الطين بلّة، هو أن أقرباء مسيحيي الأردن في فلسطين رحلوا وتركوا كنائسهم وأديرتهم خالية في قداديس الميلاد!
وفي مصر – التي تحتضن ما يقارب من العشرة مليون مسيحي، وهو التجمع الأكبر في العالم العربي، وأغلبهم من القبط الذين أوصى بهم الرسول وتزوج فيهم – يتعرض مسيحيوها لهجمة دموية متوحشة وظالمة تستهدف كيانها ووجدانها. فأقباط مصر يتعرضون للقتل والضيم وتفجير كنائسهم في ظل صمت من الأكثرية المسلمة ومرجعياتها، ولا سيّما الأزهر، أعلى مرجعية إسلامية سنية… صمتٌ يرقى إلى الرضا المخزي. والتفجير الأخير الذي استهدف الكنيسة البطرسية في القاهرة، والذي قتل 27 قبطيًا وجرح عشرات الآخرين، حرّك السلطات المصرية والأزهر، ولكن ليس بالقدر المطلوب. والمطلوب هو موقف جديّ وشجاع تجاه الهجمة الشرسة التي يتعرض لها أقباط مصر من تنظيم الإخوان المسلمين والتنظيمات السلفية.
أطالب الأزهر بأن يعلن أول جمعة من شهر يناير 2017 – التي ستوافق 8 ربيع الآخر من عام 1438 هجرية، و6 يناير ميلادية وهي عشيّة عيد الميلاد لدى الكنائس الشرقية – أن تكون “جمعة التضامن مع المسيحيين في العالم العربي“، وتحديدًا في مصر والعراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين. وبذلك سيكون موقف الأزهر واضحًا بلا ريب، ومؤيدًا للمكوّن المسيحي في عالمنا العربي، كي لا نكون من الساكتين عن الحق.
عيد ميلاد مجيد للمسيح الذي وُلد هنا على هذه الأرض… وليس في المهجر