العدو الإسرائيلي هو المسؤول الأول والمباشر عن العدوان والقتل والاحتلال والتدمير. هو الذي يهدم ويفجّر ويقتلع، ويوسّع اعتداءاته من القرى الأمامية نحو عمق الجنوب، في ظل اختلال هائل في موازين القوة وغياب رادع فعلي. هذه مسؤولية واضحة عن كل بيت دُمّر، وكل أرض احتُلّت، وكل عائلة اقتُلعت من مكانها.
لكن وضوح مسؤولية العدو لا يمحو مسؤوليات الداخل، بل يجعلها أشد إلحاحًا. المسؤولية عن الجريمة تقع على مرتكبها، والمسؤولية عن الخيارات والقرارات والمواقف تقع على من اتخذها أو غطّاها أو سكت عنها. ومن أمسك طوال سنوات بقرار الحرب والأمن، وقال للجنوبيين إنه الأقدر على حمايتهم، عليه أن يجيب
اليوم عن نتائج خياره: أين أصبحت
الأرض؟ ماذا حلّ بالقرى؟ وماذا بقي من قدرة الناس على الصمود والعودة؟
وما جرى في تلال علي الطاهر لا يمكن تجاوزه. فهذه التلال هي بوابة النبطية وأحد المواقع الأساسية لحمايتها. وعندما أصبح ممكنًا وضعها في عهدة الدولة والجيش اللبناني، رُفض ذلك، فوقعت في يد الاحتلال. الأرض التي لم تُسلّم للدولة في الوقت المناسب أصبحت في عهدة العدو، والنبطية باتت مهددة من بوابتها. لم يعد مقبولًا تكرار الخطاب نفسه. حماية الناس والأرض يجب أن تتقدّم على كل اعتبار حزبي أو إقليمي.
مناطق من الجنوب خالية من الوجود الإسرائيلي المباشر، ومع ذلك يبقى حضور مؤسسات الدولة، وخصوصًا الجيش والقوى الأمنية، محدودًا. ويسأل الناس بحق: أين الدولة، ولماذا يغيب الجيش عن مناطق يستطيع أن يكون فيها؟ فكل فراغ تتركه الدولة يصبح مساحة مفتوحة أمام قوى الأمر الواقع والعدو معًا.
وتقع مسؤولية مباشرة وحاسمة أيضًا على الدولة
اللبنانية، ممثلًة برئاسة الجمهورية وبرئاسة الحكومة مجتمعتين، وعلى
الجيش اللبناني، للقيام بدورهم الدستوري والوطني في حماية النبطية وقرى
القضاء وسكانها، من دون انتظار تفاوض أو تراضٍ مع أي جهة، ومن دون التعامل مع حماية الناس والأرض وكأنها مسألة خاضعة للمساومات السياسية.
دور الدولة ليس أن تكون مراقبًا أو شاهدًا على تمدد الاحتلال والدمار والتهجير، بل أن تستخدم كامل صلاحياتها وإمكاناتها لمنع اتساع الاحتلال، وحماية ما تبقّى من المدن والقرى، وسحب الذرائع التي يستخدمها العدو لتبرير مزيد من التدمير والتهجير.
نحن الموقّعين أدناه، من أبناء النبطية وجبل عامل والجنوب، ومن اللبنانيين الحريصين على حماية المدينة وأهلها، نطالب بانتشار الجيش والقوى الأمنية في النبطية ومحيطها وعلى مداخلها، وتولّي الدولة المسؤولية الكاملة عن أمنها؛ وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية؛ وإطلاق تحرك سياسي ودبلوماسي عاجل، عربيًا ودوليًا، لوقف الاعتداءات ومنع اتساع الاحتلال.
النبطية ليست متراسًا لأي محور، ولا ملكًا لأي جماعة سياسية. إنها مدينة أهلها، وعاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية، وجزء أصيل من الكيان اللبناني. إنقاذها مسؤولية كل من يملك تأثيرًا أو قرارًا، وحمايتها تبدأ باستعادة الدولة دورها وإنهاء ازدواجية القرار التي أنهكت الجنوب وأضعفت قدرته على حماية نفسه.
أنقذوا النبطية الآن، قبل أن يصبح إنقاذها متأخرًا».