سنا السبلاني
علي مشيك شاب لبناني فقد نطقه وقدرته على المشي.. بسبب "الخطيفة"! معاناة ابن الـ21 عاماً، التي عرضها برنامج "للنشر" على "الجديد" أمس، بدأت عندما أحب فتاة تُدعى ريان وأخذها "خطيفة"، فقرر إخوتها أن ينتقموا لـ"شرف العائلة" وكمنوا لعلي واعتدوا عليه بضرب مبرح خلّف إعاقة في عينه اليسرى ورجله ويده اليمنى وأوتاره الصوتية.
لا أحد يقبل بأن تهرب ابنته مع شخص غريب في السرّ، خصوصاً وأن مجتمعنا يربط هذه الأمور بالشرف والكرامة والسُّمعة التي، حالما تُمسّ، لا تعود نظيفة للأسف. لكن الجرائم التي ترتكب في مثل هذه الحالات باتت كثرة. ولمعرفة ظروف وأسباب وعواقب "الخطيفة" في قوانين العشائر اللبنانية، لجأ موقع "الجديد" الى شخص من عشيرة بقاعية معروفة لمعرفة التفاصيل. فماذا يحدث ؟!
على الرغم من أن الأمر بات شائعاً في مناطق عدة من كل أنحاء لبنان، وليس في قرى البقاع فقط كما هو شائع (علماً بأن تلك المنطقة هي التي تسجّل أكبر نسبة من هذه الحالات قياساً بباقي المناطق)، إلاّ أنه ما زال في كلّ مرة يخلّف وصمة عار على أهل الفتاة بين أقاربهم وجيرانهم ومعارفهم في محيطهم. فبحسب "ابن العشيرة"، يصبح أهل المخطوفة "مش رجال"، "بنتهم فلتانة"، "ما عرفوا يضبّوا بنتهم"، "ما عرفوا يربّوا"... إلخ ! فماذا يفعلون لمحاولة "استرداد شرفهم" ؟!
يقول "ابن العشيرة" لـ"الجديد" إن قوانين وعادات العشائر متشددة، لكن كلٌّ يتعامل مع الأمر على طريقته، البعض يذهب الى تهديد "الخاطف" وأهله بالقتل، أو يكمن (الإخوة غالباً) للفتاة وزوجها ويعتدون عليهما بالضرب أو يقتلونهما. آخرون يكتفون بأن يتبرّأوا من ابنتهم الى الأبد وينبذونها، فيما تترك بعض العائلات أو العشائر مجالاً لـ"الصُلح" عندما يتدخّل كبار ووجهاء العائلات أو العشائر الأخرى، وتبدأ "المفاوضات" بين عائلتي الشاب والفتاة على شروط الزفاف: المهر والحفل (إذا حصل) ومسكن الفتاة وكل ما يخص حياتها الجديدة مع "زوجها".
و"الخطيفة" ليست واحدة، بل هي نوعان، بحسب الشخص الذي تكلّمنا معه، الأول يكون بالتراضي؛ شاب وفتاة يحبّان بعضهما لكن ظروفاً معينة تمنعهما من الزواج، فيقرّران الهرب سويًّا والزواج من دون علم أهل الفتاة. أما النوع الثاني: شاب يحبّ فتاةً معينة ويريد الزواج منها لكنها لا تقبل به ولا تحبّه، فيبدأ بالتخطيط -مع عدد من أصدقائه المقرّبين- ويأخذ الفتاة بالقوة من مدرستها، جامعتها، مكان عملها، الحي الذي تسكن فيه، لا فرق! ويجبرها، ربما تحت تهديد السلاح أو الأذى، بالزواج منه.
يخبرنا هذا الشخص قصة "شاب وفتاة كانا مخطوبين، لكن بحسب عادات أهل البقاع، كانا ممنوعين من الخروج مع بعضهما البعض أو التحدّث بمفردهما أو القيام بأي شيء سوياً قبل الزواج. وفي إحدى المرات علمت أخت الفتاة أنها تتحدث الى خطيبها على الهاتف في السر فأشبعتها ضرباً. وكانت هذه الحادثة سبباً دفع الفتاة الى الهرب "خطيفة" مع خطيبها"!
لكن ما هي الأسباب الأخرى التي تدفع بالشاب الى "خطف" فتاة للزواج منها (ولا نتكلّم هنا على الظروف التي هيّأت المجتمع لخلق وتعوّد هذه الفكرة من الأساس) ؟!! يشرح "ابن العشيرة" أنه إذا كان الشاب عاطلاً عن العمل أو لا يستطيع أن يؤمن لحبيبته منزلاً أو حياتاً هنيئة، أو إذا كانت سمعته سيئة أو لديه سوابق في تعاطي الحشيشة أو المخدرات أو السرقة أو القتل، أو إذا كان ما يُعرف بالـ"أزعر" أو الـ"مشكلجي" أو "قتّال قتلى"، فتلك وغيرها أسباب تمنع أهل الفتاة من الموافقة على زواجه من ابنتهم. ويضيف "لكن اذا كان مصرًّا على فعل ما يريد أو "لعب أحد بعقله"، فيلجأ الشاب عندها الى خطف الفتاة".
الفتاة، سواء أكانت موافقة أم لا، هي ضحية جهل أو ظلم ومعاناة جعلوها تهرب من دون أن تعرف حجم الخسارة التي ستحظى بها أو نوع الحياة التي هي مقبلة عليها. لكنها ليست الضحية الوحيدة، فهي والشاب وكل من قام بهذه الفعلة ضحايا مجتمع يراقب ويحكم ويحاسب ويضغط. مجتمع يغذّي "ذكورية" أبنائه ويعلّمهم أن الرجولة تُقاس بالقوة، وأن القوة تُكتسب بالخوف، ولا يعلّمهم احترام رغبة وقيمة المرأة الأخت والأم والزوجة والإبنة والإنسانة. مجتمع بات بحاجة الى التطوّر وتغيير كثير من المفاهيم!