يروي وزير سابق في مجلسه أن صديقاً له قابل في العام 2004 مسؤولاً في
جامعة الدول العربية في القاهرة، وقد أخبره الأخير أن الانسحاب السوري من
لبنان سيتحقق في وقت قريب، وأن العماد ميشال عون سيعود الى لبنان، وأن رئيس "
القوات اللبنانية"
سمير جعجع سيخرج من السجن. وهذه الوقائع المتوقعة لن تتأخر كثيراً، لأن موضوع التوطين وُضع على نار حامية، ومن الضروري أن يوافق عليه كل الأطراف، وأن توفر له المكونات اللبنانية الغطاء اللازم الداخلي، من دون الرعاية السورية المباشرة، حتى لا يُتهم النظام السوري بأنه باع القضية الفلسطينية التي جعلها شعاراً ولازمة لخطاباته على مدى الأعوام، وتحصّن خلفها لقمع التنوّع والتعدّد السياسي وحرية الاعلام. ولا يمكن تالياً تحقيق التجنيس من دون مشاركة
واسعة في القرار، ان في
مجلس النواب او في
مجلس الوزراء.
لم يكن واضحاً آنذاك موقف الرئيس رفيق الحريري من هذه القضية لجهة الموافقة أو الاعتراض، والذي يمكن في ضوئه ربطه بعملية اغتياله للتخلص منه بل إزاحته للمضي في المشروع أو منعه.
موقف المسيحيين واضح، وهو يقوم على ذرائع ديموغرافية، ومثلهم الشيعة، الذين لا يفصحون عن السبب الحقيقي لتصديهم للتوطين الذي يحقق، بعد التجنيس، غالبية سنية في بلد التوازنات الطائفية. والتجنيس اثّر سلباً على الديموغرافيا المسيحية غير القادرة على تعويض تبدل الارقام هبوطاً في النسبة من السكان، بعكس الشيعة الاقدر على التحكم بمسارات الامور، حتى الانجابية منها.
المهم أن الاجراء - المؤامرة على لبنان - لم يتحقق في حينه، وتصدت له كل المكونات مجتمعة بعد اغتيال الرئيس الحريري، كل من منطلقه السياسي.
لكن ملف التجنيس العالق منذ أكثر من 50 سنة، لم يُمحَ من سجلات الدول الكبرى الفاعلة، والساعية الى تصفية القضية الفلسطينية لمصلحة إسرائيل، ونزع فتيل اللاجئين في غير دولة عربية، وعليه يمكن ربط (افتراضاً) كل التطورات اللبنانية اللاحقة وتحديداً في الأعوام
الأخيرة، بالسعي الى فرض التجنيس، إذ إن غرق، أو إغراق، لبنان في الديون، وتعثّر مصارفه، وانهيار اقتصاده، وتراجع عملته، وإفقار شعبه، ومحاصرته بالعقوبات، ومنع ترسيم حدوده سواء البحرية أو البرية، وتعثر استخراج نفطه او غازه المتوقع، تصب في هذا الاطار، ولا يمكن تناسي انفتاح دول عربية عدة على إسرائيل وإقامة علاقات ديبلوماسية وتجارية معها، واضعاف دول المواجهة (ان وجدت)، والتحكم بقرارها، ما يزيد الخناق على لبنان وناسه، ويؤثر في قراره.
كل هذه العوامل يمكن أن تدفع الى تبنّي خيارات وحلول لم تكن مقبولة حتى الأمس القريب، وقد يُدفع إليها الشعب اللبناني لتتحوّل خيارات (غير مفروضة ظاهراً) للخروج من النفق المظلم الذي يسود على كل المستويات، وفي مقدم هذه الطروحات، ترسيم الحدود من دون عناد وشروط وتعقيدات، وربما تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتقاسم خيرات النفط معها، والقبول بتوطين الفلسطينيين، لإزاحة عبء اللاجئين الآخرين، أي السوريين، وإلا الإبقاء عليهم جميعاً كتل ضغط وافقار وانهيار واستسلام.