حسين طليس
مستحضراً "المثقف اليهودي الأخير" (وهو الوصف الذي اطلقه المفكر والكاتب ادوارد سعيد على نفسه)، نشر الكاتب الياس خوري، مقالاً له في صحيفة "القدس العربي"، ذكّر فيه بمقابلة سعيد مع صحيفة هأرتس عام 2000، التي هاجم فيها "إسرائيل" والفكر الصهيوني، من منطلق ثقافي فكري.
مقال خوري الذي استعرض فيه ما قاله إدوارد سعيد لـ"هأرتس"، تضمن رداً على مطلقي الحملة الإعلامية التي استهدفت الكاتب أمين معلوف، بعد إطلالته الإعلامية "البائسة" على قناة (i24) الإسرائيلية،، إلا أنه ومن خلالها، انطلق ليهاجم "المشغولين بالدفاع عن أبدية الاسد وقراره بإحراق سوريا وتدميرها"، في اشارة إلى الذين اجتمعوا في مسرح المدينة احتجاجاً على ما فعله معلوف.
لم يطرح خوري المقارنة بين مقابلة أمين معلوف، ومقابلة إدوارد سعيد بشكل صريح، إلا أن مجرد الإستحضار يفتح باباً أمام هذه المقارنة، ومع شخصية كسعيد، بما يحمله في جعبته من ماضٍ وحاضر مزدحم بالنضال ضد إسرائيل، يصعب التصنيف وقد يستحيل الإتهام، بخاصة ان خوري غمز من قناة المواجهة الفكرية عبر الحوار، وتطبيع العلاقة مع "مناهضي الصهيونية" من مثقفي "إسرائيل" ووسائلها الإعلامية.
لا بد، والحال هذه، من احالة هذا التساؤل إلى المعايير التي يمكن من خلالها تقييم أي نشاط قد يجمع المثقف العربي بطرف إسرائيلي: هل هو تطبيع كما صنف مثقفون إطلالة أمين معلوف، أم مواجهة كما وُصفت (في حينها من قبل المثقفين انفسهم) مقابلة سعيد مع هآرتس؟ أم ان الأمور تبقى خاضعة للجدلية، كما هو حال مقابلة خوري مع هآرتس عام 2009، والتي وصفوها بأنها "سقطة تطبيع" (مغفورة؟).
وكما كان متوقعاً، فإن حيثية إدوارد سعيد، قد تربك تقييم مقابلته وتصنيفها، وهو ما بدا واضحاً في كلام الكاتب بيار أبي صعب الذي شارك في لقاء مسرح المدينة، وكان أول وابرز من كتب منتقداً إطلالة أمين معلوف على القناة الإسرائيلية في مقاله بعنوان "أمين معلوف... ليون الإسرائيلي؟".
في حديثه مع موقع "الجديد" يضع أبي صعب مقال خوري في سياق "مأزق الياس خوري الذي يظهر في كتاباته منذ سنوات"، متهماً إياه بـ"اختراع خطاب مركب مبني على الجمع بين الوقائع وخلطها بشكل خطير، رغم اختلاف الظروف التاريخية والسياسية، كل ذلك من أجل التعمية، وهذا ما فعله بالمقال الأخير."
وعلى الرغم من أن أبي صعب كان قد "شفع" لخوري "سقطته" مع هآرتس، لكونه "امتلك الجرأة على الأقل لمواجهة الاسرائيلي بشيء من صورته الدامية، ودافع عن الحق الشرعي للشعب الفلسطيني"(راجع مقالته في "الأخبار")، إلا أنه وضع ما كتبه خوري في سياق "تبرير إطلالته على هارتس، ولهذا الهدف استحضر مقابلة إدوارد سعيد، على الرغم من اختلاف المعطيات بين العام 2000 و 2009، ولو أن خوري قد اصر على صوابية مقابلته مع هآرتس واعتبر أنها خطوة لمواجهة العدو الصهيوني من الداخل، لكنا اعتبرنا أنه يحمل وجهة نظر مختلفة، ومع ذلك فإن شخصية المفكر الفلسطيني العالمي إدوارد سعيد، مختلفة عن شخصية الياس خوري، فما فعله سعيد هو جزء من مشروعه الفكري بأن يحاور ويحاجج الصهيونية في أميركا وإسرائيل وهو قادر على التأثير هناك، وهذا ما يميزه عن الياس خوري وامين معلوف، ومع ذلك فإن ما فعله إدوارد سعيد ليس صحيحاً 100%، هو أيضاً أعطى فرصة "أنسنة القاتل" للصهاينة، لكنه (سعيد) "يبقى فلسطينياً وابن عائلة ترزح تحت الإحتلال".
هل ما فعله ادوارد سعيد في معايير حملة مقاطعة داعمي اسرائيل يعتبر تطبيعاً؟ الحملة وفي ردّ مكتوب على اسئلتنا، ميزت مقابلة إدوارد سعيد عن غيرها، لأنها أجريت في العام 2000 ولم يكن هناك حملة عالمية للمقاطعة حينذاك، أما الآن وبوجود حملة "يصبح الاجتهاد الشخصي مضرا احياناً".لكنها عموماً ليست مع هذه المقابلة، "ولا مع انشاء سعيد الديوان الشرقي ـ الغربي مع دانييل بيرنبويم، وإن كنا أمينين على تراث إدوارد في الفكر النقدي فلننتقده هو بنفسه حين يلزم الامر، كما انتقدنا محمود درويش."
ولا بد هنا من العودة إلى تعريف التطبيع كما وضعته الحملة وهو "المشاركة في أيّ نشاطٍ يَجمع بين عربٍ وإسرائيليين ما دامت "إسرائيلُ" قائمةً". هذا الأمر يضع بيار ابي صعب في خانة المدافعين عن التطبيع(؟!) إذ انه يرى أن "التعاون مع شخصيات إسرائيلية مناهضة للصهيونية وخصوصاً أولئك الذين حطموا بكتاباتهم اسس الفكر الصهيوني، ليس مرفوضا، بل على العكس فإن بعض الشخصيات الإسرائيلية لا حرج في وضع اليد بيدهم والتعاون معهم لمواجهة الفكر الصهيوني"، ضاربا المثل بما كتبه مدافعاً عن آفي مغربي حين عرضت أفلامه على قناة "المستقبل"، مؤكداً أنه لا يمثل إلا نفسه بهذا المبدأ، وهذا المبدأ يتعارض تماماً مع معايير حملة المقاطعة التي تحرّم اجراء المقابلات مع وسائل إعلام العدوّ أيًّا كانت "لأنّها جزءٌ من آليّة اغتصاب فلسطين(...) ولا يُستثنى من ذلك أيُّ منبرٍ إسرائيليّ لأنّه، شئنا أمْ أبيْنا، يستفيد من احتلال فلسطين؛ كما لا يُستثنى منه أيُّ فردٍ إسرائيليّ ما لم يتخلّ عن جنسيّته ويعلنْ رفضَه لشرعيّة دولة "إسرائيل."
لكن ماذا لو قلبنا الآية؟ وكانت وسيلة إعلامية لبنانية هي التي استضافت شخصية ثقافية إسرائيلية؟ هل يعتبر ذلك تطبيعاً؟
يجيب أبي صعب على ذلك بتساؤل من باب التأكيد "هل لديك شك؟" وقد فاته أن صحيفة "الأخبار" سبق ان اجرت مقابلة صحفية مع المنتج الإسرائيلي "آفي كلاينبرغر" الذي عمل منتجاً مساعداً لفيلم "الزمن الباقي" لإيليا سليمان، في تقرير بعنوان " إيليا سليمان... الفيلم الذي يُخيف إسرائيل"(نشر في تاريخ ٢٢ شباط ٢٠١٠) كما أنها سبق أن غالت في الترويج لكتابات أمين معلوف على الرغم من "بدايات بعيدة (لمعلوف) تحت راية 17 أيار" على ما جاء في مقالة ابي صعب عنه.
هذا يعيدنا إلى المعايير، مع خضوع التطبيع (ومعه المقاطعة) إلى التكهن والإجتهادات، وتحولها إلى سيف ماضٍ في المبارزات السياسية- الثقافية، كما يتضح من مقاليّ الياس خوري وبيار أبي صعب.
وحدها معايير حملة المقاطعة في لبنان واضحة، لكن مع غياب قانون لبناني واضح حول مقاطعة العدو ثقافيا والتواصل الإعلامي معه، تبقى معايير حملة المقاطعة عبارة عن رأي لا يعني إلا الملتزمين به، لتستحيل المقاطعة أيضاً... "وجهة نظر"!