نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" في 30 كانون الثاني الماضي مقالاً أشارت فيه إلى وفاة الجاسوس الروسي ستيغ برغلينغ عن 77 عاماً بعد صراع مع مرض الباركنسون.
برغلينغ كان قد زار
لبنان بين عامي 1990 و1994 ومكث في المختارة لمدة أربع سنوات في ضيافة رئيس
الحزب التقدمي الاشتراكي النائب
وليد جنبلاط.
هذا ما كشف عنه جنبلاط في مقال نشره موقع "الأنباء"، تناول فيه جنبلاط واقعة إخفاء الجاسوس الشهير ستيغ برغلينغ لأربع سنوات في قصر المختارة بناء على طلب من مدير الاستخبارات العسكرية السوفياتية.
وكتب جنبلاط: "سيكتب أحدهم سيرة حياتي ذات يوم. قد أكون موجوداً حينها لأزوّده بالمعلومات أو يمكن أن أكون قد تقمّصت في الصين بحسب العقيدة الدرزية، وفي هذه الحالة، لا أدري إذا كان من سيكتب السيرة طليقاً بلغة المندرين. لكن لنعد إلى موضوع الجاسوس المدعو ستيغ برغلينغ الذي تورّطت، للأسف، في إخفائه لأربع سنوات في المختارة في لبنان بين عامَي 1990 و1994".
وروى جنبلاط كيف حصل ذلك، قائلاً "عام 1990، قدِم نائب مدير الاستخبارات العسكرية السوفياتية، الجنرال فلاديمير اسماعيلوف، إلى المختارة في زيارة ودّية. كان فارع القامة، شعره أحمر، شارباه كبيرين، وكان برفقته مسؤول آخر، على الأرجح أنه أحد معاونيه، وصديقٌ
مشترك.
يبدأ الكلام الجدّي مع السوفيات والروس، بعد تناول خمس أو ست جرعات من الفودكا، ورفع الأنخاب مرات عدة في صحة الصداقة
اللبنانية - السوفياتية، والكفاح المشترك بين الحزب التقدّمي الاشتراكي والحزب الشيوعي السوفياتي.
ثم قال لي الجنرال اسماعيلوف: رفيق وليد، أنت صديق كبير للاتحاد السوفياتي، ولن ننسى أبداً موقفك الداعم للشعب السوفياتي ونضالنا المشترك ضد الإمبريالية.
وسألني الجنرال اسماعيلوف إذا كان بإمكاني أن أقوم بإيواء أحدهم في المختارة. كيف كان لي أن أرفض؟ قدّم لي السوفيات مئات المنح الدراسية، ودرّبوا الآلاف من عناصر الحزب التقدمي الاشتراكي في قواعدهم، وزوّدونا مجاناً بأسلحة وذخائر تصل قيمتها إلى 500 مليون
دولار بين عام 1979 وأواخر الثمانينات".
وأضاف: "وافقت من دون تردّد، وأكملنا تناول طعام الغداء الذي امتدّ لوقت طويل. أتساءل كم زجاجة فودكا استهلكنا في تلك الجلسة، بالطبع في سبيل القضية المشتركة، محاربة "الإمبريالية" ومن أجل ترسيخ دعائم "الاشتراكية".
وتابع: "بعد أسبوعَين، جاء رجل في أواخر
العقد الخامس من عمره مع زوجته، وقد جهّزنا لهما الطابق العلوي في
منزل نعمة طعمة، النائب الحالي في البرلمان والصديق الكبير لآل جنبلاط، كي يسكنا فيه.
كان آل طعمة ولا يزالون معروفين بكرم الضيافة.
لكن من كان ذلك الرجل وزوجته؟ ستيغ برغلينغ بذاته وزوجته إليزابيث ساندبرغ. وقد مكث أربع سنوات في ضيافتنا يشاركنا طعام الغداء والعشاء وظروفاً مختلفة.
كان أحد موظفي جهاز الأمن السويدي وعمل في قسم المراقبة والرصد. وكان برغلينغ ضابطاً في الاحتياط وعمل لفترة قصيرة في
وزارة الدفاع السويدية حيث تمكّن من سرقة بعض الملفات السرية المتعلقّة بالمنشآت العسكرية السويدية. وباع هذه الملفات إلى جهاز الاستخبارات العسكرية التابع للاتحاد السوفياتي آنذاك، خلال وجوده في مهمة تابعة للأمم المتحدة في لبنان في العام 1973. وبعد عودته إلى السويد، تابع مهمته في التجسس لصالح
الاتحاد السوفياتي وسلّم معلومات حساسة جداً تتعلق بتركيبة جهاز الأمن السويدي وعمله.
وسرعان ما بدأت الشكوك تسري داخل أروقة جهاز الأمن السويدي حول وجود عمليات تسريب معلومات هامة، وتوجهت أصابع الشكوك كلها صوب برغلينغ دون أن تكون هناك أدلة كافية لتوريطه. غير أن الأخير قدّم مجدّدتاً طلباً للخدمة في
الأمم المتحدة هرباً من الملاحقة، غير أنه تم اعتقاله في تل أبيب في 20 آذار 1979 بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفياتي.
وفي 9 كانون الأول 1979، أدين في السويد بالتجسس لصالح دولة أجنبية وحكم عليه بالسجن المؤبد بتهمة الخيانة العظمى".
وقال: "يمكنني أن أسترسل في رواية هذه القصة لكن قد تطول كثيراً، لذلك سأكتفي بتعليقَين في الختام.
أولاً، كان أمراً غريباً إلى حد كبير أن يطلب مني السوفيات أن أخبّئ أحد جواسيسهم الكثر، ولاحقاً تأكّدت شكوكي بأن الأمبراطورية السوفياتية ليست على ما يرام، فقد انهارت بعد عامٍ واحد.
ثانياً، هرب السيد "آبيه" (Abbé)، بحسب التسمية التي أطلقناها على ستيغ برغلينغ، من لبنان عام 1994 عائداً إلى السويد، وذلك خلال وجودي في موسكو في عهد يلتسين، وقد سُجِن من جديد، وبالطبع كشف للصحافة السويدية عن المكان الذي كان يختبئ فيه.
أما أنا فقد واجهت حرجاً شديداً مع أصدقائي السويديين من الحزب الديموقراطي الاشتراكي الذين كانت تربطني بهم صلات وثيقة، وبفضل هذه العلاقات، سنحت لي الفرصة أكثر من مرة للقاء شخصية عظيمة وأحد كبار القادة في القرن العشرين، الراحل أولوف بالم.
لقد ألحق هذا الجاسوس الكثير من الضرر بالسويد وبي. أعتذر للشعب السويدي ولأصدقائي الديمواقرطيين الاشتراكيين.
فأنا لم أستطع أن أرفض طلب الجنرال فلاديمير اسماعيلوف".