وأضاف أيضاً في المنشور، ما يلي:
لكن بعد أكثر من خمس سنوات على إطلاق تلك التعهدات، يحق للبنانيين أن يطرحوا سؤالاً واضحاً ومباشراً: ماذا حققت هذه المبادرة فعلياً للبنان؟ وهل كانت تهدف حقاً إلى إنقاذ الدولة، أم أنها صُمّمت لإعادة تأهيل المنظومة السياسية نفسها التي دمّرتها؟
إن التجربة منذ عام 2020 كشفت حقيقة مؤلمة. فمبادراته لم تُضعف المنظومة الحاكمة التي فكّكت
لبنان، بل وفّرت لها عملياً مظلة سياسية ودبلوماسية مكّنتها من الاستمرار. إنها المنظومة نفسها التي دفعت الدولة إلى الانهيار الكامل، ونهبت الاقتصاد الوطني، وأفرغت المؤسسات العامة من مضمونها، وحوّلت لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
واللبنانيون يعرفون جيداً طبيعة هذه المنظومة. فهي منظومة لا يبتعد إجرامها كثيراً عن إجرام النظام المجرم الذي انهار في
سوريا. منظومة شاركت سياسياً وأمنياً في التغطية على الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري، وأسهمت في تدمير الدولة
السورية، ووقفت متفرجة فيما كان مئات الآلاف من السوريين يُقتلون ويُشرَّد الملايين منهم. واليوم، تسعى هذه المنظومة نفسها إلى الاستمرار في حكم لبنان وكأن شيئاً لم يكن.
والأكثر إثارة للقلق أن هذه المنظومة لم تحظَ يوماً بقبول حقيقي في
العالم العربي أو في المجتمع الدولي. فقد كانت دائماً موضع شك ورفض وانعدام ثقة عميق. وهي
اليوم مرفوضة إقليمياً ودولياً، ومرفوضة بشكل متزايد من غالبية اللبنانيين الذين دفعوا ثمن فسادها وانهيارها. أما القوة الوحيدة التي أبقتها على قيد الحياة فهي الدعم الإيراني؛ وهو الدعم الذي جرّ لبنان من كارثة إلى أخرى، ومن عزلة إلى عزلة أعمق، حتى أصبح بلدنا خارج المدار الطبيعي لكلٍ من العالم العربي والمجتمع الدولي.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم على الرئيس إيمانويل ماكرون شخصياً: ما هو الدور الحقيقي الذي تلعبه في لبنان؟ هل هو الدفاع عن الدولة
اللبنانية، أم حماية المنظومة نفسها التي دمّرت هذه الدولة؟
إن ما يثير القلق العميق أن سياساته منذ عام 2020 ساهمت عملياً في إطالة عمر هذه الطبقة السياسية الفاشلة. وكثيرون في لبنان يرون أن هذه السياسات وفّرت لها غطاءً سياسياً فرنسياً، تجسّد بشخصه، مكّنها من الاستمرار في الإمساك بالدولة رغم سقوطها الكامل سياسياً وأخلاقياً.
ولهذا السبب، لم يعد الأمر مجرد قضية سياسية، بل أصبح مسألة مسؤولية تاريخية. فهل يدرك الرئيس أن إعادة تعويم هذه المنظومة تعني عملياً المساهمة في تدمير ما تبقى من قدرة لبنان على الصمود؟ وهل يدرك أن الاستمرار في حمايتها سياسياً وأخلاقياً يساهم في تعميق عزلة لبنان عن المجتمع الدولي والعالم العربي؟
إن لبنان اليوم لا يحتاج إلى إدارة أزمته، بل إلى اقتلاع جذورها. ولا يمكن لأي مبادرة دولية أن تنجح إذا قامت على إعادة إنتاج القوى نفسها التي أوصلت البلاد إلى هذا الانهيار التاريخي.
فالمنظومة التي جرى حمايتها طويلاً باسم الواقعية السياسية، وبشخصه تحديداً، هي نفسها التي أنتجت الفساد والسلاح غير الشرعي والانهيار الاقتصادي. وهي أيضاً البيئة السياسية نفسها التي أدت إلى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق
الحريري، الرجل الذي أعاد لبنان إلى الخريطة
العربية والدولية قبل أن يُدفع البلد مجدداً إلى العزلة والخراب.
إن اللبنانيين يستحقون اليوم جواباً واضحاً منه: ماذا يريد فعلاً للبنان؟ وإلى أين يريد أن تقود مبادراته البلاد بعد أكثر من خمس سنوات من الفشل المتكرر؟ هل الهدف حقاً إنقاذ لبنان، أم إبقاؤه كساحة نفوذ أخيرة تعتقد فرنسا - ماكرون أنها لا تزال قادرة على التأثير فيها، حتى ولو كان ذلك على حساب الشعب اللبناني ومستقبله؟
إن لبنان ليس ورقة تفاوض جيوسياسية بيد أحد، ولا يمكن أن يبقى ساحة اختبار لمبادرات فاشلة. لبنان دولة ذات سيادة يجب أن تعود إلى استقلالها، وإلى محيطها العربي الطبيعي، وإلى المجتمع الدولي الذي أُبعدت عنه بفعل المنظومة نفسها التي يبدو، للأسف، أن هناك إصراراً على إعادة تدويرها.
لقد سقطت الأقنعة، وانكشفت الأجندات، ولم يعد مقبولاً الاستمرار في إنقاذ من دمّر لبنان.
إن الشعب اللبناني لن يقبل بعد اليوم بإدارة انهياره، بل هو مصمّم على استعادة دولته وإعادة لبنان إلى مكانه الطبيعي بين الدول الحرة ذات السيادة، دول لها مستقبل يليق بشعوبها.
إن قول الحقيقة ليس ترفاً، بل مسؤولية تاريخية أمام الشعب اللبناني وأمام العالم.