امين قمورية- "النهار"
"بروفة" إحراق كنيسة الطابغة في طبريا على أيدي "دواعش" اليهود، حققت مرادها. المكان ليس مجرد معبد، انه مقام ديني وتاريخي عريق حقق فيه المسيح اعجوبة تكثير الخبز والسمك... مع ذلك كانت ردود الفعل دون حجم الفاحشة. فآذان اهل الديار اعتادت ترداد انباء تدمير المعابد والكنائس والمساجد والتكايا والزوايا وجرف الآثار والمقامات وحرق التاريخ من سومر وبابل الى تومبكتو مرورا بنمرود والحضر ونينوى ومتحف بغداد وقلاع سوريا وحصونها وشواهدها، ولم يعد لفاجعة جديدة ان تعكر مزاجاً أو تثير انتباهاً في ظل سيل المجازر الانسانية والثقافية المرتكبة.
آثار تدمر التي صمدت تاريخاً تنتظر الآن تدميراً يليه اندثار وسط صمت القبور. "دواعش" اليهود الذين احرقوا الطابغة ليسوا حاضرين في مدينة زنوبيا. ولسنا من هواة القاء كل تبعات تخلفنا وهمجيتنا على "المؤامرة الصهيونية العالمية"، ذلك ان "دواعشنا" كثر وهم من كل الاطياف والالوان، وإن حمل بعض هؤلاء صفة رسمي أو حزبي أو عقائدي، فانه في الميدان لم يظهر حسا انسانيا أو حمية ثقافية ارقى من تلك التي يظهرها حامل صفة الارهابي. بيد ان "داعش" الاسرائيلي لا يخفي سعادته بما يرتكبه "دواعشنا"، فقتل التاريخ الانساني وطمسه، ومحو ذاكرة الخصوم واصحاب المعتقدات الاخرى، هواية صهيونية قديمة، كي يبقى منظور واحد لقراءة الماضي والمستقبل هو المنظور التوراتي. وفي هذا المجال، أبدع علماء الآثار والمؤرخون الاسرائيليون في تشويه الحقائق والمعتقدات وتحريفها، بينما اتقن "دواعشنا" ممارسة أفعال الابادة في كل ما هو حضاري وقيمي عندنا.
في ظل الغرق العربي في وحول الانحلال السياسي والثقافي والاخلاقي، البروفة الاسرائيلية التي نجحت في طبريا، قد تتكرر في القدس والخليل والناصرة وبيت لحم. فمن يردع "دواعش" اسرائيل عن الرقص فوق ركام الاقصى والمهد، اذا كان رب البيت العربي بالطبل ضارباً؟ ومن يملك الحياء بين العرب لرفع الصوت اذا ما رحل بضع مئات الالوف من الفلسطينيين من الجليل والنقب والضفة بالاكراه أو بالاقناع، بعدما صار نصف سكان العراق وسوريا واليمن وليبيا نازحين خارج بيوتهم أو خارج أوطانهم؟
يهودية دولة اسرائيل، ليست مجرد وهم وكلام هراء، هي أفعال تمارس كل يوم خطوة خطوة، تهويداً وعنصرية مقيتة في الداخل وضرباً للوحدة الفلسطينية وتفسيخاً لدول الجوار الى حين تحقيق الهدف المنشود. وفي انتظار اعلانها رسميا بعد الحصول على الاعتراف اللازم بها، لا عجب ان تظل النيران مشتعلة في الاقليم ممهدة لرسم خرائط مغايرة تقوم على أسس أو بالاحرى خوازيق جديدة تتلاءم مع طبيعة المولود الجديد.