امين قمورية -"النهار"
رونو رودريغيز، التلميذ النجيب لفيديل، سيعود منتشياً إلى هافانا بعدما رفع علم كوبا في سماء بلاد اليانكي. والرفيق راوول كاسترو أعد خطاب "النصر" الذي سيعرض فيه الانجازات التي حققتها "الثورة" بصمودها "الاسطوري" الذي أرغم "الامبريالية" الأميركية على فك حصار الجزيرة ومصالحته من موقع "الند للند".
قبله بأسابيع كان رفيقه الفيتنامي نوين فون ترونغ، وريث "الجد" هوشي منه في زعامة الحزب الشيوعي، ضيفاً على البيت الأبيض، لدمل جروح الماضي وفتح حسابات المستقبل.
وبين الحدثين الكوبي والفيتنامي، خطفت ضحكة الوزير الإيراني محمد جواد ظريف أنظار العالم، عندما أعلن "النصر المشترك" بتوقيع الاتفاق النووي بين بلاده والغرب، وفي مقدمه رمز "الاستكبار العالمي" الولايات المتحدة.
كوبا صمدت 54 عاماً في وجه الحصار الامبريالي. وطهران عاندت واشنطن 46 عاماً. وفيتنام أدت نشيد المجد باجبارها المحتل الاميركي على الانسحاب المخزي من سايغون. لكن "الدول الثورية" الثلاث، تسقط في شهر واحد في احضان خصمها اللدود.
من المبكر تعداد الفوائد التي جنتها "الثورات" الثلاث من المصالحة مع عدوها السابق "الامبريالي" و"المستكبر". جداول الارباح والخسائر لا تزال قيد الطبع. والخيط الرفيع بين الحفاظ على استقلالية القرار الذي طالما تباهت بها هذه "الثورات" والسقوط في التبعية لم يظهر بعد. حتى في الكسب الاقتصادي المجرد ثمة التباس اذ يرى البعض ان الثلاث لم تجن من المصالحة شيئاً مهماً سوى أنها استعادت بضائع تعود اصلاً إليها. إيران تستعيد حقها في اموالها المجمدة وتصريف طاقتها المكبوحة. كوبا تعود الى موقعها القديم هدفا للاستثمار السياحي في الكاريبي. وفيتنام تجهد لاستعادة مكانة اقتصادية فقدتها لمصلحة جيرانها الاقل قدرات في جنوب شرق آسيا. أما أميركا في المحصلة النهائية، فهي الكاسب الاكبر، لانها تمكنت من انتزاع "المخالب الثورية" لمعانديها السابقين وطوعت قراراتهم السيادية وادخلتهم في فلكها الاقتصادي الحر وارضختهم لثقافتها الاستهلاكية ودقت اسفيناً في داخلهم بين الايديولوجيين المتمسكين بالجمود والنقاء الغبي، والبراغماتيين الانتهازيين ذوي المصالح المادية، وهو صراع ينتهي عادة بخسارة مدوية للايديولوجيا مهما شذّبت وجمّلت للإفادة من منافعها كعدة شغل لتطويع الداخل أو مد اليد الى الخارج.
حتما، الادبيات السياسية للقرن الماضي لا يجوز اسقاطها على العالم الجديد. الدنيا تغيرت والمصالح تغيرت والعلاقات الدولية تغيرت. واذا كان من الصعب الآن استشراف مستقبل الدول الثلاث في علاقتها المستجدة مع عدوها السابق، فإن مجرد مقارنة مسارها في التحدي أو في التفاوض، بالمسار الذي سلكته نظيراتها "الجمهوريات الثورية الاشتراكية العربية"، يفضي الى شيء وحيد: أي ما ستحققه من نتائج هو ربح صاف لها مقارنة بالخسارة الكاملة الاوصاف التي منيت بها.