أعلن الحراك الشعبي أنّه يسجّل "بقلق بروز جوانب قمعية عدة تؤشر إلى إرادة واضحة بالقضاء على الحراك، بما يمثله من مصلحة وطنية في بناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة ومطالب، في طليعتها رفع النفايات عن كاهل اللبنانيين".
وذكّر الحراك في مؤتمر صحافي بأنّ حقّ التظاهر مكفول دستوريا وفي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وهي حرية لا يمكن تنظيمها إلا بموجب قانون. أما القرارات الوزارية الصادرة في هذا المجال، فلا يمكن أن تؤدّي بحال من الأحوال الى الحدّ منها أو تضييقها أو تعليقها على شرط أو معاملة أيّا يكن. وأن أي قول مخالف يجعل هذه القرارات باطلة لصدورها عن سلطة غير صالحة، فليس لوزير أن يمارس صلاحية تنظيم حرية دستورية وهو أمر يعود حصرا الى المجلس النيابي. فبغياب قانون ينظم التظاهر، يبقى المبدأ هو الحرية وما على السلطة الا احترامها والالتزام بها من دون أي منة".
وقال: "وعدا أن ظروف الحراك الحاضرة وفقدان شرعية السلطة الحاكمة تبرر أكثر من أي وقت مضى التمسك بهذه القراءة، يهمنا أن نوضح للرأي العام أن الحراك تصرف بشفافية في إعلان شروط تظاهرة 8 تشرين الأول (مكانها وزمانها...) وغيرها من التظاهرات الكبرى، وقبل وقت كاف، للسماح للقوى الأمنية باتخاذ ما تجده ضروريا من اجراءات. علما أن مكونات الحراك باتت معلومة ومعروفة من العامة ومن السلطات العامة. والدليل الأكبر على ذلك هو الجهوزية الدائمة للقوى الأمنية عند كل تحرك".
وأكد "أن الأجهزة الأمنية، وخلافا لما جاء في مؤتمر
قوى الأمن الداخلي، تصرفت مرارا وبشكل ممنهج على نحو يهدف إلى منع المواطنين أو ثنيهم عن ممارسة حقهم بالتظاهر، وذلك من دون أي محاسبة قضائية جدية. وقد سمح للأسف غياب المحاسبة لهذا الأمر أن يتكرر مرة ومرارا، إلى حد وصل معه ممثل قوى الأمن الداخلي إلى درجة رفض أي اتهام باستخدام العنف المفرط، متجاهلاً بذلك أن أول من ثبّت هذه الاتهامات هما رئيس الوزراء تمام سلام ووزير الداخلية نهاد المشنوق".
وسأل: "فماذا يعني ما حصل في 22 آب، من اطلاق رصاص مطاطي مباشرة على المتظاهرين، وإطلاق الرصاص الحي في الهواء؟ وماذا يعني عدم تدخل الأجهزة الأمنية لوقف التعديات الحاصلة من قبل مجموعات ميليشياوية ضدّ المتظاهرين والمعتصمين السلميين أو لمحاسبة مرتكبيها (وربما هذا الأمر يتكرر الآن في عكار بعد
بيروت كما حصل أمس)؟ وبالعودة إلى اعتصام 8 تشرين الأول، ماذا يعني ضرب القنابل المسيلة للدموع في اتجاه أجسام المتظاهرين تارة وطورا على طول وعرض التظاهرة وعلى مسافة مئات الأمتر من أماكن السياج، ومن دون أن يكون هنالك في جميع الحالات أي ضرورة لذلك؟ وماذا يعني الضرب المبرح للمتظاهرين السلميين في أثناء توقيفهم والذي أدى الى ايذاء العديد منهم كما يثبته عدد من تقارير الطب الشرعي التي تمكنا حتى الآن من تنظيمها؟ بل ماذا يعني توقيف المواطنين عشوائيا وغالباً بعد انهاء التظاهرة من قبل منظميها (وللتأكد من ذلك، يكفي معرفة أن 25 من أصل 27 متظاهرا تم احتجازهم بعد انهاء تظاهرة 8 تشرين الأول قد تم تركهم رغم التشدد في الملاحقة لعدم وجود أي دليل عليهم في غضون 24 ساعة)؟ هذا فضلا عن ظروف التوقيف والاحتجاز البوليسيين والتي يعول عليها أيضا لتخويف المتظاهرين ونعود اليها لاحقا. هذا من دون ذكر السخاء في هدر أطنان من المياه في مدينة قلما تزود سكانها بمياه كافية. وحصول هذه الأمور إنما يؤشر إلى وجود إرادة منهجية أكيدة في منع المواطنين أو ثنيهم أو بالأحرى ردعهم عن ممارسة حقهم بالتظاهر".
ورأى أنّ "الأخطر من ذلك، هو أنّه حتى اللحظة، ورغم الاعتراف الرسمي بلجوء الأجهزة الأمنية الى العنف المفرط، فانّه لم تحصل حتى الآن أي محاسبة قضائية جديّة لأي من عناصرها. كما لم يحصل أي محاسبة لأي من العناصر الميليشياويّة المعتدية. وغياب المحاسبة إنما يؤشّر الى غياب الإرادة كليّ في مكافحة أيّ عمل من شأنه أن يؤدّي الى قمع التظاهر ويؤكّد أيضا وأيضا الطابع المنهجيّ لسياسة الدولة في هذا الخصوص".
وأضاف: "بل لا نبالغ إذا قلنا إنّ القوى الأمنية عمدت هي إلى تهيئة الأرضية لحصول مواجهات، من خلال الإجراءات التي اتخذتها، للانقضاض على التظاهرة. ولإثبات ذلك، يكفي مقارنة كيفية تصرف القوى الأمنية في 20 أيلول مع تصرّفها في 8 تشرين الأول. فما الذي يبرر أن تتخذ القوى الأمنية في التظاهرة
الأخيرة تدابير مختلفة تماما عن التدابير التي اتخذتها في 20 أيلول رغم أن هذه التدابير الأخيرة أثبتت جدواها، فانتهت التظاهرة من دون أي مظهر من مظاهر العنف، مهما كان؟".
وقال: "يوماً بعد يوم، تؤكّد السّلطة تدبيرا بات مزمناً منذ 2010 رغم عدم قانونيته، مفاده أنه لا يجوز التظاهر أو التجمع في ساحة المجلس النيابيّ. وقد برّر ذلك بدواع
أمنية. وهذا التصريح مردود جملة وتفصيلاً".
وأضاف: "نفهم طبعاً أن للأمن مقتضياته ولكن ليس مفهوما البتّة أن يتمّ الغاء حق التظاهر بشكل مطلق أمام المجلس النيابيّ أو أمام أي ساحة عامة لدواعٍ أمنية. فقبول ذلك هو بمثابة نسف الديمقراطية
باسم الأمن. فمن شروط الديمقراطية التمثيلية (البرلمانية) أن يكون للمواطن حقّ محاسبة النواب الذين انتخبهم والذين يستمدون منه سلطتهم، أن يكون للمواطن حق التعبير عن همومه وقضاياه فرديا أو جماعيا مباشرة أمام المجلس النيابي. وما يدحض أي تذرع بدواع امنية، هو أن منع التظاهر هنالك بات منذ سنوات مطلقا، مهما كانت الظروف المحيطة مما جعله بمثابة مربع أمني. ومن هنا، يكتسي تمسك الحراك بالدخول الى ساحة النجمة رمزية بالغة الأهمية. أهم ما فيها هو إعادة الاعتراف بما هو أساس للدستور اللبناني وهو أن الشعب هو مصدر السلطات".
ورأى انّ "تسييج مداخل المجلس النيابي اعتداء على المواطنين يمنعهم من ممارسة أحد أهم حقوقهم. ويكون بالمقابل قطع السياج عملا مواطنيا ايجابيا هدفه وقف التعدي على الديمقراطية وبابا لاستعادة الحقوق. ويكون
تاليا المواطن الذي قطع السياج مواطنا يستحق المكافأة لمناقبيته في الدفاع عن مجتمعه وليس مشاغبا كما تصوره السلطة. وهذا ما سنتمسك به في مرافعاتنا وبياناتنا كافة".
وأكد أنّ "قوى الأمن الداخلي أظهرت أن عددا من المتظاهرين ارتكبوا أعمال شغب. وقد عدّدت من بين هذه الأعمال نزع السياج فضلاً عن قذف الحجارة والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة. ورغم اعتراف قوى الأمن الداخليّ بأهميّة الحراك في مكافحة الفساد والضغط لايجاد حل لأزمة النفايات، فانّها عمدت إلى استخدام بعض الصور لتركيب صورة سلبية عنه".
وقال: "ومن باب التزامنا بالشفافية تجاه شعبنا، ومع التأكيد على أن الحراك لم ولن يعتد على أي من الأملاك العامة والخاصة، يهمنا إيضاح الأمور الآتية:
أولا، أن أحد أهم أسباب الحراك هو مكافحة الفساد والمحاصصة. ومن الجلي أن هاتين الآفتين شملتا بما شملتاه التعدّي على الأملاك العامة وخصوصا الأملاك البحرية فاستفادت منه السلطات السياسية والمحسوبون عليها لعقود من دون أن يتمكّن
القضاء أو الأجهزة الأمنية من تحرير أيّ منها. وتاليا، اتهام الحراك في ظروف مماثلة لا يعدو كونه ذر رماد في العيون وهو مردود على السلطة الحاكمة: فأنتم الذين تعتدون على الملك العام الذي نسعى نحن الى تحريره، وأنتم الذين تسعون الى تشريع هذا الاعتداء من خلال مشروع قانون تسعون الى تمريره باتفاق غالبية الكتل النيابيةـ، وما عليكم في حال صحوة ضمائركم الا أن تخلوا هذه الأماكن، أن تنفذوا أكثر من 150 مذكرة إخلاء، فيستعيد المواطنون الأملاك المنهوبة،
ثانيا، أن الحراك يرفض أيّ إتهام بالاعتداء على المؤسسات الخاصة محملا هنا أيضا السلطة المسؤولية كاملة على تراجع الاقتصاد اللبناني وتدهوره منذ عقود.. ويدرك الحراك تماما حجم الصعوبات التي تواجهها المؤسسات التجارية والسياحية والصناعية والزراعية التي لا يرتبط أصحابها بشبكات هذا النظام بفعل الاحتكار والفساد، واضطرارهم لتكبد أكلاف عالية كسائر المواطنين مع تراجع خدمات الكهرباء والنقل الخ. واستمرار الحراك يشكل بالطبع فرصة لانعاش القطاعات الانتاجية والخدماتية على اختلافها، وجميع العاملين فيها. ومن هنا، من العبثي أن تتناول بروباغندا السّلطة تضرّر جدار أحد الفنادق لأسباب لم تعرف بعد لاتّهام الحراك ولحجب تعديات هائلة أقدمت عليها بشكل ممنهج لضرب الاقتصاد اللبناني برمته.
ثالثا، أن أهم أعمال الشغب التي تم الادعاء على اساسها هو نزع السياج المانع للدخول الى ساحة النجمة (وهو السبب في الادعاء على 8 أشخاص محتجزين من اصل 11). وهو كما ذكرنا أعلاه ليس عمل شغب طالما أنه يرمي الى استرداد أحد أهم الحقوق السياسية. أما سائر أعمال الشغب المدعى بها كرمي الحجارة والتي تخرج تماما عن وسائل عمل الحراك ولا تعدو كونها تعبيرا فرديا عن غضب، سببه الأساسي هذا النظام الفاسد المفقر الذي لا يتوانى عن تهميش مئات آلاف المواطنين، وفي مقدمتهم
الشباب، وتهجيرهم. كما لا بدّ من قراءة هذا التصرف في سياقه العام: اي كردة فعل غاضبة وعفوية من مواطنين يعانون من غبن وتهميش مزمنين ازاء الوسائل والأساليب التي لا تتوانى هذه السلطة في استخدامها ضد المتظاهرين.
وتاليا، ومهما كان تقييمنا لهذه الأفعال، ونحن نطالب بشدة جميع المشاركين في مظاهراتنا واعتصاماتنا الامتناع كليا عنها، فمظاهراتنا واعتصاماتنا سلمية سلمية سلمية، فاننا نرفض بروباغندا السلطة الساعية الى تضخيم هذه الأفعال للاساءة الى الحراك. فأنى خطورة هذه الأعمال الفردية التي يبقى أثرها جدّ محدود من الأساليب العنفية والممنهجة كرمي القنابل المسيلة للدموع وخراطيم الماء أو اطلاق الرصاص المطاطي والحي والتي استخدمتها وتستخدمها القوى الأمنية لقمع التظاهرات؟
وطالب الحراك القوى الأمنية باعتماد الشفافية ذاتها التي دعت اليها في الرد على الصور والفيديوهات التي نعرضها هنا".
وقال: "مشكلتنا ليست مع العناصر الأمنية، مشكلتنا مع أوامر السلطة السياسية".
وأكد أنّه "بخلاف ما جاء في مؤتمر قوى الأمن الداخلي في 10-10-2015، نحن نرفض أي خندقة بيننا وبين هذه الأجهزة. بل نسجل يوماً بعد يوم بادرات التأييد الكثيرة من عناصره. وهم يعرفون جيدا أن مشكلتنا لم تكن يوما معهم بل هي دوما مع الأوامر التي يتلقونها من السلطة السياسية الحاكمة التي تسعى جاهدا للدفاع عن نظام الفساد والمحاصصة، فتصغر دورهم وتحولهم الى أداة قمع ضد المواطنين. وبهذا المعنى، نناشد العناصر الأمنية أن تكون حريصة على مصالح الوطن، لا على مصالح السلطة الحاكمة، وأن يرفضوا تاليا تنفيذ أي أوامر غير شرعية كاستعمال العنف المفرط وغيره".
وقال: "نحن نحيي عناصر قوى الأمن الداخلي الذين عصوا الأوامر في نقلهم من زحلة الى بيروت أو في المشاركة في قمع التظاهرات ونعتبر العقوبة التأديبية التي تمّ انزالها بهم بمثابة تضحية قدموها للحراك. كما نحيي جميع العناصر الذين تلقوا المتظاهرين الموقوفين بكثير من علامات التأييد والتعاطف".
وأضاف: كما يهمنا في النهاية أن نقول إن محامي الحراك ونحن معهم نخوض
اليوم واحدة من أهم المعارك القضائية، للافراج عن جميع الموقوفين وابطال الملاحقات ضدهم. ومعركتنا هذه التي بدأت مع انشاء لجان للمحامين في بادرة قد تكون فريدة من نوعها، تتواصل مع الاعتصامات التي ننفذها أمام المخافر والمحاكم ومنازل القضاة النافذين للتنديد باستتباع القضاء وفضح التدخلات السياسية أو أي تغليب للمصالح السياسية على القواعد القانونية. ونسجل بكثير من الاستهجان تنصل مفوض الحكومة صقر صقر في لقائه مع محامي الحراك بأنه غير ملزم بإعطاء أي معلومات بخصوص أماكن توقيف المتظاهرين ومنعهم من التواصل مع أهاليهم ومحاميهم قبل التحقيق معهم ولساعات طوال، مبرّرا ذلك بأسباب أمنية. وهو بذلك تجاوز أحد أهمّ الأصول القانونية الضامنة لحقوق المشتبه بهم (المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية). فحقوق المحتجز تبدأ فور احتجازه وليس بعد التحقيق معه. كما نسجّل بكثير من القلق تسريب خبر مفاده أن ثمة ادّعاء ضدّ 19 مواطنا فارا من العدالة بتهمة اثارة الشغب من دون تبيان الأسماء بل من دون استدعاء أي من أصحابها للتحقيق. ونحن نعتبرها بمثابة رسالة لترهيب جميع منظمي الحراك باحتمال احتجازهم وتوقيفهم في أي لحظة. كما نسجل بالقلق نفسه تزايد أعداد المحالين الى المحاكم العسكرية التي لا تتوفر فيها أي من ضمانات المحاكمة العادلة، الأمر الذي بات يفرض على الحراك مباشرة حملة لرفض محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية، إلى جانب العمل على ابطال الملاحقات ضدهم".
وأمل "أن نعكس من خلال أعمالنا كلها جانبا جديدا من إصلاح الدولة: الانتقال من ثقافة التدخل في القضاء الى ثقافة استقلال القضاء"، مؤكداً أنّ
"الحراك هو أمل للجميع، رجاء ان نكون يدا واحدة لبناء الدولة التي نريد".