حسين طليس
"زي العسل على قلبي هواك، يا أسمر يا سكر، قشطة يا قمر، حمادة حمادة ياسكر زيادة، البنات الشربات، يا فروتو بأناناس، الي ما يطول العنب حامضاً عنه يقول، تفاحة بتغار من تفاحة، انا كنت بحب المشمش دلوقتي بموت في المنجا، العنب، البرتقالة، الرمان...".
هذه لمحة سريعة على عينات من أغاني شعبية معروفة تتضمن غزل وأوصاف للحبيب تربطه بالنكهة، وتشبهه بالفواكه والمأكولات. ما يعجبنا نقول فيه "حلو" وما يؤلمنا ويعذبنا يصبح "مرّاً"، وعلى هذا المنوال تكمن المأكولات في تفاصيل لغتنا.
يلعب الطعام والمذاق دوراً هاماً في التوصيف والتشبيه عند العرب عموماً، فآثروا وصف البياض بالقشطة، ونعومة البشرة بالزبدة، والفم الصغير بالكرز أو البندق، والخدود الحمراء بالتفاح، والأثداء الناهدة بالرمان، والعيون الجميلة الكبيرة باللوز. أما سبب ذلك فيعود إلى طبيعة الحياة الإجتماعية التي عاشها العرب، وفق ما يؤكد زياد فران، الباحث في علوم إجتماع اللغة، فـ"المجتمع الزراعي (الفلاحي) الذي كان قائماً فرض تلك التشبيهات التي تنبثق من يوميات المجتمع، والتي يمثل فيها الطعام جزءاً أساسياً".
حافظ الطعام على وجوده في الصور التشبيهية، ولم تنتف المعاني الدلالية له، إذ لا يزال "الحلو" حلواً وكذلك المر. ولذا، يقول فران، عجزت العولمة عن محوه بالكامل، وتأصل في اللغة المحكية، ولم يقتصر وجوده على الإنتاج الأدبي.
الاغاني الشعبية جزء من تأصل هذا التشبيه في الغزل، وأكثر من ذلك فإن أشهر الأغاني وأكثرها رواجاً، هي تلك التي تضمنت هذا النوع من التشبيه، أغنية "العنب" المصرية مثلاً لاقت شهرة واسعة، كذلك "البرتقالة" التي حطمت أرقاماً قياسية في رواجها على مستوى العالم العربي، وبات تقليد تلك الأغاني أيضاً مادة غنائية ناجحة، فكان "الخيار" رداً على "العنب"، وكانت "اليوسف افندي" و"التفاحة" تقليداً لـ"البرتقالة".
وغوصاً أكثر في شعبية هذه التشبيهات، يظهر "التلطيش" أو "المعاكسة" كسلوك شعبي يوازي الوصف في الأدب، فتجد أوصافاً كـ"القشطة والعسل والسكر والحلو والقطر والتفاح والرمان..."، جزءاً أساسياً من أي "تلطيش"- غزل، لا يزال مستخدماً حتى اليوم وهو ما يدل على تأصل تلك المفردات في اللغة المحكية كما هي في الأدب.
فإذا ما عالجنا هذا الإستخدام من ناحية المفاهيم العصرية، قد يبدو غريباً الإستمرار في استخدام "القشطة"، الدسمة نوعاً ما، لمعاكسة فتاة اليوم التي تسعى خلف الصورة النمطية للجمال ومعاييره العصرية التي تتخذ من النحافة عنصراً أساسياً، وينسحب الأمر نفسه على "السكر والعسل والحلويات" وغيرها من التشابيه ذات السعرات الحرارية العالية، عدا عن تسببها بمشاكل الصحية خطيرة (سمنة، سكري...)، فهل نستطيع إيجاد بدائل لغوية صحية عن السكر الذي لا يزال يتربع على عرش "الحلو"؟ وهل تستطيع بدائل السكر (الصناعية) أن تتولى هذه المهمة مثلاً؟ فيصير التغزل بالجمال بصيغة: "شو يا سُكَرين؟".
واذا ذهبنا عميقاً في تحليل هذه الظاهرة، وبحثنا في علوم اجتماع اللغة، نجد أن الربط يعود أولا إلى مفهوم اللذة، الذي يجمع بين الطعام والحب والجنس، ومن هنا إستعارة خواص الطعام واسقاطها على "اللذة" الجنسية، كـ"طيّب" أو "طيّبة" للتعبير عن اشتهاء جنسي،
على الرغم من تبدل الصورة النمطية للجمال الأنثوي، مع تبدل المعايير الإجتماعية، لا يزال استخدام الطعام مرتبطاً بحقبات سبقت مرحلة ستينيات القرن العشرين، حين كان الجسم الممتلئ الذي يميل إلى السمنة، عنصرأً أساسياً من عناصر الجمال، فيما المرأة "المغرية" كانت تلك التي تفوح منها روائح الطعام والطبخ والبهارات والحلويات، ولأن الموروثات لا تتبدل إلا بالتراكم الطويل زمنياً، قد ننتظر طويلاً قبل أن نلتفت إلى التناقض بين معاييرنا العصرية والأوصاف التي نطلقها.