لغايةِ اللحظة نجا وزيرُ البيئةِ مِنَ السقوطِ عن أعلى جبالِ النُفايات.. وكُتب له يومٌ آخرُ في السلطة.. بعدما طُوّق على مدى نِصفِ نهارٍ بمجموعةِ شبابِ الحَراكِ الذين دخَلوا مكاتبَ الوِزارةِ في اللعازراية.. واعتصموا سلمياً في أروقتِها مطالبين باستقالةِ الوزير
محمد المشنوق سبعُ ساعاتٍ مِن الحصارِ لم تَنتهِ باقتحامِ القُوى الأمنيةِ مبنى الوِزارة وإبعادِ الصِّحافيين لتَتِمَّ تصفيةُ الحسابِ معَ المعتصمين ومحاولةُ إخراجِهم بالقوة سبعُ ساعاتٍ ومحمّد المشنوق.. مخنوق في مكتبِه.. يصارعُ الموتَ السياسيّ ويناضلُ للبقاءِ على قيدِ الوِزارةِ.. حتى لو كان الثمنُ التصادمَ بينَ الأمنِ والناس.. والوصولَ إلى النِّقاطِ الحُمْر أيُّ مسؤولٍ هذا؟ وأيُّ تَحلٍّ بالمسؤوليةِ قاده إلى التمسّكِ بحَلْقِ السلطةِ كـ"ضِرسِ
العقل" الذي غالباً ما يأتي قلعُه مؤلماً لم يشعْ وزيرُ البيئةِ أنّ وجودَه "خراّج" في الحنَك.. وأنّ ولَعَه بالمَقعدِ الوزاريّ أدّى إلى التهابِ الجسد.. وكان عليه أن يمتثلَ لإرادةِ الشعبِ وألا يقلّدَ الزعماءَ العرب.. سواءٌ الراحلون منهم والمخلوعون أو أولئك المستمرون على قلبِ الناس ولن يكونَ المشنوق وحدَه مَن تنطبقُ عليه هذه المواصفات.. بل إنّ كلَّ الحُكمِ أصبحَ مشنوقاً.. وأركانُه تتمسّكُ بأهدابِ السلطة ولوِ احترقَ
الوطن . غداً سيقولون إنّه من بِطانةِ الوزراءِ الأوادم.. لكنْ ماذا فعلتِ الآدميةُ بالشعبِ سِوى السكوتِ عن مافيا النُفاياتِ ومداراتِهم والتعميةِ على صفَقاتهِم.. وأقسى موقفٍ وَصلَ إليه محمّد المشنوق: أنّ في فمي ماء لم يكُن مهماً أن تخبرَنا بما في فمِك.. بمقدارِ إطلاعِ الرأيِ العامِّ على ما في "الجيبة".. ومن هي النُفاياتُ السياسيةُ التي أكلت أخضرَ البلادِ وزِبالتَه، اليابسَ منها والمتعفّن.. وإن لم تَكشِفْ عنهم فإنّك ستتحوّلُ إلى شاهدِ زورٍ ورجلِ سُلطةٍ يُغطّي على جرائمِ زملاءِ المِهنة . اليومَ نجا المشنوقُ الأولُ بقَبَضاتِ المشنوقِ الثاني الكبير.. الذي وَضع قُوى أمنِه وفريقَ شغَبِه في التصرّفِ لإخراجِ المعتصمينَ ومفاوضتِهمم سلمياً تمهيداً لإجلاءِ وزيرِ البيئةِ مِن مكتبِه طَوْقُ وزيرِ الداخليةِ لإنقاذِ ابنِ العائلةِ أُسرياً وحكومياً.. كانَ استبقَه
نهاد المشنوق باتهاماتٍ للناشطين أخذتْهم إلى التمويلِ في دولةٍ عربيةٍ صغيرة.. وقد تحدّث المشنوق من موقِعِ العالِمِ بأصولِ التمويلِ ومدارسِ الدفعِ لقاءَ الرهْنِ السياسيِّ للخارج.. وهي لغةٌ يُتقنُها معظمُ الزعماءِ الذين يستسهلونَ الاتهام: فإما أن تكونَ عميلاً لإسرائيل وإما أن تكونَ متموّلاً من دولةٍ خارجية.. ولم يكن في قاموسِهم أيُّ لغةٍ للحَراكِ
الأبيض.. لثورةِ الناسِ النابعةِ مِن مرارةِ السلطة . ثقافةُ الاتهام هي أسلوب السلطاتِ الخائفةِ المُرتعبة من ناسِها.. والتي أصابتْها عدوى الرؤساءِ العرب.. لكنّ صيفَ لبنانَ الساخنَ لن يُشبهَ أيَّ ربيعٍ آخر.. حيث هنا فصلٌ جديدٌ يصنعُه الناس.. بصِفر تمويل.