بين اسطنبول، عاصمةِ السلطنةِ العثمانيةِ السابقة، وروما، حاضِنةِ الحَضارةِ الأوروبية العريقة، يَعبُر المسارُ اللبناني مَحطاتٍ تتقاطعُ عند واشنطن، عاصمةِ القراراتِ الكبرى ورسمِ الخِياراتِ والتسويات/ جغرافيا تتحركُ، وسياسةٌ تُعيدُ تموضُعَها على إيقاعِ التحولاتِ الإقليميةِ والدولية// فتركيا الخارِجةُ من قِمة حلفِ شَمال الأطلسي أكثرَ حُضوراً وثَباتاً داخلَ منظومةِ الحلف، عادت لتعزِّزَ موقعَها الاستراتيجي وعلاقتَها معَ الولاياتِ المتحدة، بعدما أكد الرئيسُ الأميركي دونالد ترامب أهميةَ الرئيس رجب طيب أردوغان ومَتانةَ العلاقةِ التي تجمعُهما/ وفي هذا التوقيت، حَطَّ رئيسُ الحكومة نواف سلام في اسطنبول، حيث يلتقي الرئيس أردوغان، وعلى جدولِ الأعمال العلاقاتُ الثنائية بمختلِف مِلفاتها، إلى جانب تجديدِ الموقفِ التركي الداعم لوَحدةِ الأراضي
اللبنانية وسيادتِها واستقرارِها/ غيرَ أنَّ ما يتجاوزُ العناوينَ البروتوكولية، هو ما سَبَق أن أعلنه أردوغان بأنَّ أمنَ تركيا يبدأُ من بيروتَ و دمشق// مَقولةٌ لم تَبقَ في إطار المواقف، بل حَضرت بوضوحٍ في اللقاء الذي جمَعه بترامب على هامش قِمة الناتو هذا الأسبوع، حيث كان المِلفُّ اللبناني، بكل تعقيداتِه واستحقاقاتِه، واحداً من المِلفات المطروحة على طاولة البحث// ما سوف يأتي من اسطنبول قد يُصرَفُ على خط العلاقات الاقليمية ويؤسِّسُ لاستكمال المسار من خلال الزيارةِ التي سيقومُ بها رئيسُ الجمهورية الى تركيا اواخِرَ الشهرِ الحالي/ أما ما هو مُنتَظرٌ قدومُه من روما فهو استئنافُ جدولِ الاعمال من النُّقطة التي توصَّلت اليها مفاوضاتُ واشنطن وبحَسَبِ مصادرَ دبلوماسيةٍ مطلعة على مسار المفاوضات فإنَّ لبنانَ يَضغط باتجاه ان تبدأَ اسرائيل بالانسحاب من المنطقة التجريبية قبل موعِدِ روما المنتَظَر وإلَّا فإنَّ المشارَكةَ اللبنانية قد يُعادُ النظرُ بها/ وتشيرُ معلوماتُ الجديد الى زيارةٍ مرتَقبة لوفدٍ عسكريٍّ اميركي للقاء قائدِ الجيش لبحثِ الآلياتِ التنفيذية المتصلة بالمناطقِ التجريبية/ ومن هنا، كثّفت
بيروت اتصالاتِها معَ واشنطن، مطالِبةً الإدارةَ الأميركية بممارسة الضغوطِ اللازمة على
إسرائيل لضمان تنفيذِ ما تم التوافقُ عليه، في اختبارٍ جديد للدَّورِ الأميركي بين التعهدات والتنفيذ/ ما يَجعلُ من الدورِ الأميركي العامِلَ الحاسم في ردم فَجوة التفسيرات وتحويلِ الوعود إلى خُطُوات عملية// وفي موازاة الحَراكِ الدبلوماسي، يَرسم رئيسُ الجمهورية جوزاف عون سقفَ المقارَبةِ اللبنانية، مجدداً التأكيدَ أنَّ إنهاءَ حالةِ العَداء معَ إسرائيل يبقى هدفاً يرتبط أولاً بتحقيقِ المطالبِ اللبنانيةٍ كاملةً، ومتمسِّكاً بخِيار التفاوض وعدمِ التراجعِ عنه على الرَّغم من صعوبةِ الطريق والتعقيداتِ المرتبطة بموازينِ القوى والحساباتِ
الإسرائيلية والوضعِ
الاميركي الايراني// وبهذه العناوين، يستعدُّ عون لواحدةٍ من أبرز محطاتِه الخارجية، عبر زيارةٍ مرتَقبة إلى البيت الأبيض ولقاءِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب// زيارةٌ يدخلُها
لبنان حامِلاً سَلّةَ مَطالبَ واضحة: دعمٌ أميركي لاستعادةِ كاملِ الأراضي اللبنانية، وتعزيزُ قُدُراتِ الجيش، وإسنادُ مسارِ إعادةِ الإعمار، وإطلاقُ عجلةِ الاقتصاد بعد الخسائرِ الهائلة التي خلَّفَتها الحربُ والأزَماتُ المتراكمة// وبين إسطنبول وروما وواشنطن، تتوزعُ الأوراقُ اللبنانية على أكثرَ من طاولة، فيما يبقى الرِّهانُ على أنْ تتحولَ الوعودُ الدولية إلى وقائع، وأنْ تَنتقلَ التسوياتُ من حِبر التفاوض إلى أرضِ التنفيذ// وإلى أرض طهران/ وصلَ الوسطاءُ القطريون لاجراء مباحثاتٍ معَ المسؤولينَ الايرانيين لتهيئة استئنافِ المفاوضاتِ الاميركية الايرانية في وقتٍ تواجِهُ فيه المنطقةُ مرحلةً حساسةً محفوفةً بمخاطرِ التصعيد اليومي/ على قاعدة التفاوضِ من خلال التحركاتِ العسكرية حيناً والتهديداتِ الصاخِبة احياناً/ وعلى آخِر مَقولاتِ ترامب أنَّ وقفَ اطلاقِ النار معَ ايران انتهى لكنَّ المحادثاتِ معها مستمرة/ فإنَّ الوَساطةَ القطريةَ المتجددة تَستَهدفُ خلقَ ارضيةٍ مشتركة تسمحُ بفرصة التوصلِ الى استئناف المفاوضات وتعزيزِ حظوظِ التفاهمات.