ترقبٌ وانتظار.. ووقتٌ سياسي يُدار على إيقاع المَسافات الفاصلة عن اكتمال التسويات. في
لبنان، لا قرارَ نهائياً قبل أن تستقرَّ صورةُ الإقليم، ولذلك يبقى الرِّهانُ موزَّعاً بين مسارَين: الأول، ما سينتهي إليه الاتفاقُ الإطاري، والثاني، ما قد تفتحُه مذكِرةُ التفاهم الأميركيةُ - الإيرانية من نافذةٍ تعيدُ وصْلَ ما انقطع في المِلف اللبناني. وبين هذينِ المسارين، يبدو أن الداخلَ اختار الانتظار، فيما الخارجُ يواصِلُ رسمَ الإحداثيات// وفي هذا السياق، جاء كلامُ نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس ليضعَ عنواناً مشتركاً للمسارين، معَ تأكيدِه أنَّ القاسمَ الجامع بين الوثيقتين هو احترامُ وَحدة الأراضي
اللبنانية وسيادتِها. أهميةُ هذا الموقف لا تكمنُ في عباراته فحسب، بل في توقيته أيضاً، إذ تزامنَ مع حضور لبنان على طاولة البحث بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والمبعوثَين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، حيث تناولت ِالمباحثاتُ تطوراتِ المسار التفاوضي بين
الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب الأوضاع اللبنانية، مع تشديدٍ واضح على تثبيت وقف إطلاق النار بما يحفظُ وَحدةَ لبنان وسيادتَه واستقرارَه. وهو ما يعزز الانطباعَ بأن المِلفَّ اللبناني لم يعدْ بنداً منفصلاً، بل بات يتحرك ضِمن سلّةٍ تفاوضيةٍ أوسعَ، تتقدمُ أو تتراجعُ وَفق إيقاعِ التفاهمات الإقليمية// وفي هذا السياق اختَتم يومُ الدوحة الطويل مفاوضاتِه الفنية باتفاق مبدئي بالافراج عن ثلاثة مليارات لايران/ مع استمرارِ النقاش حول مضيق هُرمز/ وبإشادة صادرة عن سيد البيت الابيض الذي وصف المحادثاتِ بالجيدة جداً// وفي الداخل، وعلى الرَّغم من تباينِ المقارَبات حِيالَ مآلاتِ هذه المسارات، إلَّا أنَّ الجميعَ يلتقي عند عنوان واحد: لا للفتنة. ليس لأن الخلافاتِ انتهت، بل لأن إدارة َ المرحلة تَفرِضُ تجميدَ الاشتباك السياسي بانتظار ما ستُنتجُه المفاوضاتُ الخارجية. ومن هذا المنطلق، تؤكد معلوماتُ “الجديد” أن ما يُتداول عن جبهة رفضٍ يجَري إعدادُها، ويُحكى أنَّ رُكْنَيها رئيسُ
مجلس النواب نبيه بري ورئيسُ الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، لا يُترجَمُ حتى الآن في خُطوات عملية. فعين التينة تتمسك بأولوية حماية الاستقرار ومنعِ أيِّ انزلاقٍ داخلي، وقد حَظيَ هذا الموقفُ
اليوم بتلاقٍ مع بعبدا التي أكدت الالتزامَ بالمبدأ نفسِه. أما زعيمُ الاشتراكي، فيتموضعُ إلى جانب العهدِ والحكومة وخِيار المفاوضاتِ المباشِرة، مع احتفاظِه بتحفظاته وملاحظاتِه الرافضة للاتفاق الإطاري، في مقاربةٍ تعكِسُ اعتراضاً على بعض المضامين، لا خروجاً من المسار السياسي العام// وعند جمعِ هذه المؤشرات، يتبينُ أن ما يجري في الداخل لا ينفصلُ عن حسابات الخارج. فالتقاطعاتُ السياسية القائمة توحي بأن الأولويةَ في هذه المرحلة ليست لحسم المواقف، بل لإدارة الوقتِ حتى تتضحَ وجهةُ المفاوضات الأميركية - الإيرانية، سَواءً ضِمن مهلة الستين يوماً أو عبر تمديداتِها المحتملة. وعلى هذا الأساس، ينصبّ الجَهدُ الداخلي على تهيئة الأرضية السياسية والدستورية لمواكَبةِ أي مُخرَجاتٍ قد تفرِضُها المرحلةُ المقبلة، أكثرَ مما ينصرفُ إلى إعادة إنتاج الانقسامات التقليدية. وفي هذا الإطار، وضع رئيسُ الجمهورية جوزف عون موقفَه بوضوح، معتبراً أن صيغةَ الاتفاق الإطاري التي انبثقت عن مفاوضات واشنطن تحققُ منطقَ الدولة، وتحفظُ حقوقَ لبنان قضائياً وميدانياً، مؤكداً أن لبنان لم يستسلمْ، ولم يتنازلْ عن حقوقه. وبين انتظارِ الخارج وضبطِ الداخل، تبدو المرحلةُ أقربَ إلى إدارة انتقالٍ سياسي هادئ، ريثما تقول التفاهمات الكبرى/// وفي موازاة النقاشِ السياسي، يبرز نقاشٌ لا يقِلُّ أهميةً، يتعلق بالطبيعةِ القانونية للاتفاق الإطاري. فهذا الإطار، بالمعنى القانوني والسياسي، لا يَرقى إلى مستوى المعاهدة ولا يشكلُ اتفاقاً ملزِماً، بل يبقى أقربَ إلى تفاهم سياسي قابلٍ للأخذ والرد كلما دعتِ الحاجةُ إلى إعادة مقاربتِه. وفي هذا السياق، تؤكد مصادرُ سياسية أن الاتفاقَ الإطاري قد يشكل أرضيةً تنبثق عنها لاحقاً اتفاقياتٌ ملزِمة تأخذ شكلَ معاهداتٍ مستقبلية، ما يعني أن كثيراً من البنود المطروحة اليومَ لا تزال قابلةً للنقاش والتطوير والتصويب، وأن بابَ إعادة النظر في أي نِقاطٍ إشكالية لن يكونَ موصَداً مع انتقال المفاوضات إلى مراحلَ أكثرَ تقدماً// وربطاً بمبدأ عدمِ الانجرارِ الى الفتنة داخلياً فإن الاستقرارَ اصبح عنواناً اقليمياً عاماً/ وعلى هذا السياق يستعدُّ لبنان لاستقبال وزيرِ الخارجية السوري أسعد الشيباني في زيارة استثنائية تحملُ في مضمونها رسالةً سياسية واضحة، عنوانُها إعادةُ تنظيمِ العلاقة بين البلدين على قاعدة التعامل من دولة إلى دولة. كما تعكِسُ، وَفقَ المعطيات، تأكيداً سورياً على احترام سيادة لبنان ودعمِ الدولة اللبنانية، معَ إبداءِ الاستعدادِ للمساعدة كلما دعتِ الحاجة، في مؤشر ينسجمُ مع مسار إعادة ترتيبِ العلاقات الرسمية بين بيروتَ ودمشق وَفقَ قواعدَ
جديدة.